Posts Tagged مغامرات

اليوم الخامس: عقلي وجسدي..

 

رأيته ولم أستطع أن أرفع عيني بعينه من جلّ تقديري له

لا أدري أأضحك أم أبكي على حالي في تلك الليالي التي تمر.. في معظم المخيمات التي بتنا فيها حتى الآن تقع خيمتنا على منحدر.. والليلة الماضية تحديداً كنا ننام على أرض أكثر انحداراً من ذي قبل. كلما غلبني النوم وجدت نفسي أنزلق نحو حافة الخيمة.. وكلما استيقظت نظرت إلى نورا فوجدت رأسها في وسط الخيمة تماماً، وتركت خلفها فراغاً كبيراً!

وضعت حقيبتي الكبيرة عند قدمي.. بهذه الطريقة قد أمنع نفسي من الانزلاق.. ولكنني كنت وحقيبتي وأشيائي.. كلنا نشغل فراغاً ضيقاً في آخر الخيمة..

كانت درجة الحرارة أشد انخفاضاً من أي مرة سبقت.. احتدّ سعالي وأشفقت على من حولي في باقي المخيم.. فالصوت ينتشر بسرعة هائلة في هذا المكان..

أما اليوم فقد كان أقصر مما سبقه.. تسلقنا لمدة ٣ ساعات فقط، ولكن الانحدار كان شديداً.. وكنت أتنفس بصوت واضح جداً حيث كان الجميع يلتفتون نحوي! لم أبالي.. لدي سعال! سأتنفس بأي طريقة تحلو لي!

توجهنا نحو المحطة الأخيرة قبل القمة.. مخيم بارافو، والذي يقع على حافة صخرية من الجبل تعلو حوالي ٤٨٠٠ متر فوق سطح البحر. كان المخيم مزدحماً جداً، وذلك لأن الحافة المخصصة له كانت صغيرة.. لا مكان قبلها أو بعدها.. وكانت تلك هي فرصتنا الأخيرة لأن نضع تكويننا الحجري فوق الجبل.. وتلك هي عادة لمتسلقي الجبال.. كلما وصلوا إلى ارتفاع معين كونوا جبلاً صغيراً من الحجارة تخليداً لذكرى وصولهم إلى المكان..

نظرت حولي لأجد المكان المناسب.. واستقرينا على مكان يعلونا قليلاً ولكنه منعزلاً والحركة فيه قليلة.. ربما هناك لن يتأثر جبلنا الصخري الصغير بأقدام المارين.. لا مارين هناك..

سرت نحو المكان على الرغم من الرياح الشديدة، غير مكترثة بنداء لبنى خلفي وهي تشكو من صعوبة المكان والبرد الشديد.. ذهبت ونظرت إليها بتشجيع فاتبعتني.. ولكن حين وصلت وقعت المفاجأة!

على تلك الحافة وضعنا جبلنا الصغير

فهمت الآن لم لا يوجد أحد في تلك البقعة على الرغم من ازدحام المخيم.. كانت تلك هي حافة المخيم بعينها.. كانت الأرض تنحدر انحداراً شديداً ولا نهاية تبدو.. كانت السحب والغيوم تخفي مساحة الفراغ الشاسعة التي كانت قطعاً تقع بعدها..

ترددت حينها.. كلما اقتربت إلى حافة مكان شديد الارتفاع شعرت بعدم اتزان.. أشعر وكأنني أنجذب نحو الهاوية.. وعادة أفضل أن أمسك بالحائط أو السور المتاح.. ولكن لا حائط ولا سور هنا! والارتفاع ليس ١٠ طوابق، بل هو آلاف الميترات!

هنا تذكرت نصيحة عمر سمرة وصديقتي نادية.. “حين لا تستطيعين فعل شئ ما فإن ذلك هو عجز في ذهنك فقط.. أنت تعجزين لأنك تظنين أنك تعجزين! يجب أن تصدقي بأنك تستطيعين.. حينها لن تعجزي!”

لقد رأيت رجلاً يصعد الجبل برجل واحدة، وهو معنا الآن في المخيم..

لقد رأيت امرأة مسنة يتجاوز عمرها السبعين وهي تضحك وتتسامر مع أصدقائها.. وهي في الخيمة المجاورة لي!

إنني أشعر بتحسن شديد على الرغم من الإعياء الذي أصابني في الأيام السابقة.. لقد وصلت إلى تلك المرحلة.. وقمة الجبل تقع الآن على بعد ليلة واحدة! فلم كل هذا التردد؟ هذا جبل! وهل هناك أجمل في الجبل من هيبة حوافه؟ أولا تطفي عليه حدة حوافه المزيد من الشموخ والغموض؟ أوليس هذا ما يشدني إليه؟

لا أدري كيف ترددت بداخلي جميع الأفكار في أقل من نصف دقيقة! تجاهلت مخاوفي وأكملت السير إلى البقعة التي اخترناها.. صرنا نلتقط الحجر.. الصغير منه والكبير.. حتى تكون جبلنا الصغير حاملاً معه وقع أقدامنا وخفقات قلوبنا وهمسات أذهاننا..

حان وقت النوم.. لن نبيت الليلة! سوف نبدأ التسلق نحو قمة كيليمنجارو في تمام الساعة ١٠:٤٥ دقيقة مساء.. وسوف يلينا باقي الفريق.. حتى نصل القمة عند بزوغ الفجر.. عليّ أن أصفي ذهني.. من كل شئ.. لا شئ يعنيني الآن.. أنا والجبل.. ودرجة الحرارة التي تصل إلى ١٥ درجة تحت الصفر..

كيليمنجارو.. يا من تسبح بحمد الله.. يا من تخشع وتتصدع لكلمات الله.. كن بي رفيقاً!

 

, , , , , , , , , , ,

2 تعليقان

%d مدونون معجبون بهذه: