Posts Tagged مصر

ابتسمي..

أما آن لكِ أن تبتسمين لوجهك الشاحب في المرآه؟ أتتركينه لجاذبية الأرض والزمن يفعلا به ما يحلو لهما وقد استسلمت وأسلمت لهما زمام عمرك؟

مم تخافين؟

لقد طويت الصحف وانتهى الأمر وأفيقت أحلامك وأحلامهم.. لقد بقي من بقي وذهب من ذهب وصمت من صمت. لن يكون صمتك بعد اليوم سكوتاً عن حق، فقد قيل ما قيل وعُرِف ما عُرِف.. ولن تكون ابتسامتك خيانةً لعليل، فالعلة اليوم ليست علّة بدن، بل هي علّة نفوس وقلوب تنهش في نعوش لن يأكلها التراب ولو بعد حين. فممّ تخافين؟

أتخافين على قلبك أن يموت؟ هات لي برهاناً أن ذلك الحزن الذي يعتريك هو إكسير لحياته ثم احزني كما شئت.. إن بقي بعد حزنك حزناً.

أتخافين على ذلك المستضعف الذي لا يجد جداراً يستر خلفه حاجته وقد سُلب من حقه في الحياة كما يحياها الناس؟ أتظنين أنه يراك بالعين المجردة وقد أعياه الزحف على أنفه وذقنه حتى كاد لا يرى سوى الأسفلت وقذارته وترابه وأشلائه ودمائه؟ أٓوٓ إن نظر إليك أحسن قراءة عينيك؟ أم لم ير سوى سيارتك وحقيبتك وحذاءك وازداد نقمةً وحنقاً وحسرة؟ تُرى هل يعلم أنه هو من تخافين وأنه هو من تخافين عليه؟ هل يعلم أنك تشفقين عليه من تلك اللحظة الحتمية التي سيدفع فيها إنسانيته ثمناً لحياته وحياة أبنائه؟

مم تخافين؟ أتخافين على التاريخ؟

أيتها الحمقاء! ومتى أنصف التاريخ ضعيفاً؟

سيأتي يوما وستجلسين منحنية أمام التلفاز تتأففين وتتزمجرين وترفضين ما ترين.. ويضحك عليك الصغار والكبار وقد أعيتهم حكاياتك عن التاريخ الذي شهدتِ، وما فعلت وما كدت تفعلين.. وقد توالت الأجيال ورويت الحكايات.. توعّدَت فتَقاتلت فتَناحرت فنزفت.. فانشقت البلاد نصفين، وصار لتاريخها وجهتين، وجهة تسجد ليزيد.. ووجهة تلبي للحسين..

لقد ترجّل الفرسان المجهولون وصاروا تحت التراب.. ولقد علا المسيخ وصار فارس الزمان، وارتدى الحكمة وأمسك بكلام الله فسجد له الناس، فازداد زهواً وخيلاء وقال “ويحكم احذروا! افعلوا! اقتلوا! إني أرى ما لا ترون”. فزادهم إيماناً على إيمانهم وباتوا وأضحوا يسبحون بحمده ويشكرون لنعمته ويتفانون حباً ورغبة في قربه.

ابتسمي.. فما اهتزت الأرض لعبوس وجهك ولا سقط ظالم لجلجلة صوتك الغاضب. لن تجنين من هذا الوجه سوى تجاعيد الزمان وهِرم الروح وعجز الهِمّة وقلة الحيلة وموت الخيال. لست أنت من تختارين الموت والحياة، فالموت عدم والحياة حركة لا تقف لحجرٍ ولا لبشر. ابتسمي ورُدي دماءك لتلك العروق المتشققة علّها تلتئم.. لقد قامت همم وبنيت أمم بخيال حُر، فلِم تقتلين خيالك بيديك ولم يمسسه أبو جهل وزبانيته؟ لِم تسجنينه وقد خُلق حراً؟

أتخافين أن يُقتل الخيال وهو في مهده كما قُتِل من قبل؟ وهل يحيا الخيال في سجن عبوسك؟ اتركيه علّه يجد مخرجاً من سجنك فيحيا وحده بلا جسد. اتركيه.. دعيه يتلون ويختار صورته وصوته ولسانه.. دعيه.. دعيه حراً، فقد يكون وحده حُراً وما دونه منك عبيد.

, , , , , ,

أضف تعليق

كانت مصر لا تنام

في مثل هذا اليوم من كل عام ينتابني الصمت.. أبحث عن الكلمات فلا أجدها.. تتسابق الخواطر في ذهني وتتلاحق المشاعر فتتملك من وجداني.. ولا أجد ما أقول.

في مثل هذا اليوم من ٣٧ عاما كانت هناك مصر..

وكانت مصر لا تنام..

فقد كانت بقعة من أرضها محتلة، كانت سيناء.. أرض الله المقدسة التي تجلى فيها لنبيه، تدنسها أقدام الصهاينة.. ستة أعوام يصولون ويجولون فيها ومصر تصبر.. وتفكر.. وتخطط.. إلى أن جاءت لحظة الحسم.. فقامت ونهضت بأبنائها.

هناك منهم من نعرفهم، وهناك من ظلوا مجهولين.. ملأ قلوبهم نداء الله أكبر.. وزلزلت أصواتهم المكان.. فاستجابت لهم أرض سيناء.. وعادت الحياة إلى عروقها حين سمعت صوت أبنائها.. فلفظت من عليها ودكت الحصن المنيع.. وأضاءت بأقدام المجاهدين.. واخضرت بدمائهم.

في يوم السادس من أكتوبر لعام ١٩٧٣ عبرنا القناة ودمرنا خط بارليف.. ملأت البلاد نشوة الانتصار.. وترددت بين ألسنة المصريين حكايات الجهاد والفداء والشهادة.. في هذا اليوم تكللت عزة البلاد.. وارتدّت إليها كرامتها..

ولكن من لا يحفظ تاريخ أمته ولا يوقره لا يستحق العيش فيه..

ومصر سكنها ومازال يسكنها من أهدر تلك الدماء ونسيها.. فباع النصر واشترى الانكسار.. فرضيه لنفسه ومارسه على غيره.. وكبرت أجيال لا تعرف العدو من الصديق، ولا تفهم معنى الشهادة.. وأين الشهيد.

أكره أن أطفئ فرحة الذكرى في يوم عيدها.. ولكن التاريخ يفرض نفسه أحياناً.. وإن لم نقرأه ضاع وطننا إلى الأبد.. فعلينا أن نعي معنى النصر.. وكيف نحفظه ونرعاه، فالنصر لا يبقى نصراً إلا إذا عملنا عليه وبنينا الوطن به.

اشتقت إلى مصر.. اشتقت إلى أناشيد الوطن والسلاح والنصر.. اشتقت إلى تلك البرامج الجافة التي تحكي عن الحرب وعن العبور.. أفضل التلفاز المصري القديم الذي يملأ قناته بصوت عبد الحليم حافظ ويعرض مشاهد من الحرب عن التلفاز الذي يدعوني لأكل الوجبات السريعة..

أبحث عن مصر في الصور القديمة.. في صور أبي.. وجدي.. وأمي.. وجدتي.. أبحث عنها في الملفات المصورة عن أسرى مصر المفقودين.. وأهليهم الذين لم يفقدوا الأمل بعد في العثور على رفاتهم.. أبحث عنها في بسمة أهل سيناء.. هؤلاء الذين صاروا الحماة الوحيدين لرفاة الشهداء.. فيقدسونها ويغطونها كلما كشف عنها التراب..

أبحث عن مصر في صخور جبال سيناء.. أحاكيها.. أسألها عما رأت وما سمعت.. أسألها عن الرجال.. ربما دلتني..

مصر الأسيرة ستنهض يوماً.. مصر المحتلة ستتحرر.. ستتذكر.. وستقوم..

مصر خصبة بدماء شهدائها.. تقتات برفاتهم العطرة المبعثرة في الأرض..

ستعود مصر.. سيأتي ذلك اليوم لا محال.. مصر لم تمت.. مصر حية.. باقية.. في قلوب مجاهديها القدماء.. في بسمة كل طفل يحمل حلماً.. وفي نبض كل من يأتي هذا اليوم عليه فيفرح.. ويعتصره الألم..

 

, , , , ,

6 تعليقات

الإحباط والأمل بين طالبتين مصريتين

بقلم رضي السمّاك

( نشرت في أخبار الخليج عام ٢٠٠٨)

أروى صالح

غداة انفجار الانتفاضة الفلسطينية ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 2000م، وما ارتكبه العدو الإسرائيلي خلالها من جرائم إبادة وتنكيل بحق الشعب الفلسطيني مما أدى حينها إلى تفجر السخط العربي العارم ضد إسرائيل والمتمثل في اندلاع مسيرات ومظاهرات العنف العربي في البلدان العربية كافة تضامنا مع الشعب الفلسطيني وتنديدا بالعجز الرسمي العربي المتفرج على جرائم الاحتلال..

في ذلك الوقت وحيث كانت الحركات الطلابية العربية في مقدمة المشاركين في تلك المسيرات والمظاهرات الاحتجاجية لاحظ المراقبون والمحللون السياسيون دخول فئات طلابية عربية جديدة لم يعرف عنها تاريخيا وتقليديا المشاركة في الحركات الطلابية. ولعل من أبرز هذه الفئات طلبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وأتذكر حينها بأني كتبت مقالا قارنت فيه تاريخيا الحركة الطلابية بين الجامعتين الأمريكيتين في القاهرة وبيروت. ففي حين تكاد تقتصر الجامعة الأولى على أبناء الذوات والباشوات في مصر، وهو ما يفسر، إلى حد كبير، أحد الأسباب الرئيسية لابتعاد طلبتها عن الانخراط في الحركات الطلابية المصرية على امتداد عقود طويلة منذ تأسيسها، فإن الجامعة الثانية، بيروت، عرفت بعراقة الحركات الطلابية اللبنانية والعربية فيها منذ وقت مبكر في القرن العشرين وعلى الأخص منذ الأربعينيات وحيث كانت معقلا رئيسيا لولادة وتنامي معظم التيارات السياسية العربية المعاصرة، وعلى الأخص القومية واليسارية، وحيث ضمت الجامعة في صفوفها فئات اجتماعية مختلفة ولم تقتصر فقط على أبناء الذوات، وذلك لأسباب ليس هنا موضع تناولها.

مناسبة هذه المقدمة الطويلة، هو ما حفل به معرض الكتاب الحالي من إصدارات جديدة مهمة والتي كان من ضمنها كتاب الطالبة المصرية بالجامعة الأمريكية في القاهرة الموسوم «قتال حزب الله.. الدين في مواجهة إسرائيل.. كيف انتصر حزب الله في حرب تموز 2006؟«، وهو من إصدارات «دار الأمير« البيروتية. وقد لفت نظري في يوم افتتاح المعرض بأن عنوان هذا الكتاب قد جذب انتباه وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أثناء تجوله بين أجنحة المعرض، حيث حرص على شرائه، إلى جانب كتب أخرى. وبحكم زمالتي معه في لجنة إعداد قانون جديد للنشر والصحافة التي عين أعضاءها سمو ولي العهد فإن الشيخ خالد كان معروفا عنه بعمق واتساع ثقافته السياسية العامة. وبدوري حرصت على شراء هذا الكتاب.

وكان أول ما لفت نظري في غلافه اسم المؤلفة أروى محمود، وعلى الفور قفز ذهني إلى اسم طالبة مصرية راحلة نظيرة لها في الاسم الأول أروى صالح، حيث ماتت في ظروف مأساوية أواخر التسعينيات، وكانت من رواد وخيرة القيادات الطلابية في السبعينيات إبان صعود الحركة الطلابية بجامعة القاهرة، إلا أنها انهارت في لحظة ضعف إنساني فأقدمت على الانتحار، لا لأسباب خاصة عاطفية أو عائلية أو معيشية كحال أكثر المنتحرين العرب، بل لأسباب سياسية عامة، وذلك على خلفية طول معاناتها المؤلمة، ونفاد صبرها من القدرة على التكيف مع اتساع وتعمق حجم التحولات الارتدادية السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع والحياة السياسية المصرية، وهي التحولات التي ترجمت نفسها في تغير مواقف ومسلكيات العديد من رفاق الأمس وطغيان النزعات والمصالح الأنانية الاستهلاكية والمادية الفردية على مواقف العديد من الناس، مقارنة بالعصر الطلابي الذهبي الذي كانت شاهدة عليه ومن صناع أحداثه. وكانت أروى صالح التي تمثل واحدة من جيل طلبة السبعينيات الذي عرف بعنفوان وحرارة أحلامه الثورية الملحة في التغيير السياسي قد حرصت على تدوين خواطر معاناتها النفسية المريرة من جراء تسارع تلك التحولات الارتدادية صدرت بعدئذ في كتاب لها بعنوان «المبتسرون«. ولأن كان كتاب أروى صالح جاء ليعبر عن عمق الإحباط الذي انتابها من جراء تراجعات المد الوطني والقومي في مصر والبلدان العربية، فإن كتاب أروى محمود التي هي من أبناء الجيل الطلابي العربي المعاصر جاء ليعبر بشفافية وصدق مشاعر مفعمة الأمل باستشراف بزوغ الفجر العربي الجديد، وذلك من وحي تأثرها وحماسها الشبابي الحار في لحظة من اللحظات التاريخية العربية المعاصرة النادرة المعبرة عن الكرامة العربية والتي تمثل بقعة ضوء وسط بحر الظلام العربي الدامس الطويل، وذلك كما تجلت في صمود المقاومة الوطنية بقيادة حزب الله في وجه العدوان الإسرائيلي الهمجي البربري على الشعب اللبناني في صيف عام 2006، حيث تابعت هذه الشابة الطالبة العربية المصرية أحداث الحرب، مزهوة بما حققته تلك المقاومة اللبنانية من بطولات صمودية في وجه العدوان تمكنت خلالها من إحباطه ومتفجرة، أروى محمود، غضبا وحقدا ضد العدو الإسرائيلي لما ارتكبه من جرائم يندى لها جبين البشرية بحق شعب أعزل بأكمله وعلى الأخص في الجنوب.

وأهمية هذا الكتاب تكمن من كونه في الأصل رسالة ماجستير باللغة الإنجليزية قدمت خلال شهر مايو الماضي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتمكنت أروى محمود من اجتياز مناقشة الرسالة ونيل شهادة الماجستير حيث أشرف على الرسالة الدكتور جيفري هيلسينج، أما لجنة المناقشة فقد تكونت من هذا الأستاذ نفسه، والدكتورة هبة رؤوف عزت، والدكتور وليد قزيحة.

كما تتجلى أهمية الكتاب في أن مؤلفته لدى اهتمامها البالغ بتوثيق وتحليل دلالات وأبعاد ذلك الصمود الذي اجترحته المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله لم تكتف بالاقتصار على جمع المصادر الإعلامية أو المراجع والمؤلفات العربية والأجنبية التي عنيت برصد وتحليل تلك المواجهات بين المقاومة والعدوان فحسب، بل الأهم من ذلك فقد أولت اهتماما بالغا بإجراء حوارات ومعاينات عيانية مباشرة في كل المناطق الجنوبية واللبنانية عامة التي كانت ميادين للمواجهة مع العدو وحيث شهدت تدميرا وتخريبا واسع النطاق يعبر عن عمق الحقد الذي يكنه هذا العدو تجاه اللبنانيين والعرب عامة، وأجرت حوارات مباشرة مع ذوي الشهداء والأسرى والجرحى والبطلات الأمهات الثكالى، وقادة المقاومة وخصت الشكر لمساعدتها في إنجاز رسالتها العلمية المهمة بالإضافة إلى أساتذتها كلا من محمد حسين بزي مدير دار الأمير للنشر، ود. حسين رحال، وحسان بدير، ود. أمين حطيط، والشيخ حيدر دقماق والحاج أحمد يوسف. وقدم للكتاب الرسالة الشيخ نعيم قاسم الأمين العام المساعد لحزب الله. وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب فإنه جاء كبيرا في عمق تحليله الرصين بحيادية وموضوعية في تأصيل مكامن ضعف العدو الإسرائيلي المدجج بأعتى أنواع الأسلحة المتطورة الحديثة مقارنة بمكامن وسر قوة المقاومة ممثلة في حزب الله والتي أفشلت عدوانه بأسلحة متواضعة.

أهمية الكتاب كما ذكرنا ليس في صدوره فقط باللغة الإنجليزية حيث ترجمته المؤلفة إلى العربية، بل فيما لا يخلو من مغزى ومفارقة أن موضوعه قد أجيز في جامعة أمريكية وهو ما يسجل لصالح تقاليد حرية البحث العلمي في الجامعات الأمريكية. وهو إذ يمثل إضافة قيمة مهمة تثري المكتبتين الإنجليزية والعربية على السواء، وبخاصة في الظروف السياسية الراهنة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية، فإننا نأمل أن تسنح لنا الفرصة قريبا بإذن الله بالتحليل والتعليق على أهم موضوعاته.

, , , , , , ,

أضف تعليق

يوم العسكري الأسود

أروى صلاح الدين محمود

(كتبت في ٢٥ يناير/كانون الثاني من عام ٢٠٠٧ ونشرت في موقع إسلام أون لاين)

صاحب الصرخة المدوية - تصوير أروى محمود

بعد انقطاع طويل وجدت نفسي أستيقظ صباح أمس، أجهز الكاميرا، وأنوي الذهاب إلى مظاهرة لأول مرة منذ عامين، وكنت قد سئمت حال البلاد وما يجري فيها، وشهدت خلاف النشطاء الطفولي حول توجهاتهم ومحاولة البعض الهيمنة على زملائهم بخلفياتهم وانتماءاتهم.. ولكن سماعي أخبار بعض النشطاء الذين أصبحوا الآن في نظر الكثير أبطالا مع انتشار الملفات عبر الإنترنت التي تكشف ألوان التعذيب التي تعرضوا له، ولمعرفتي الشخصية ببعضهم، وجدت نفسي أشتاق لوجوههم المشاكسة، والتي تنبعث منها روح عناد ومثابرة، يراه البعض صمودا، ويراه الآخرون صعلكة.

ركبت التاكسي وطلبت منه التوجه إلى شارع عبد الخالق ثروت، فرد قائلا: “ماشي، لكن ربنا يستر ما يبقاش في مشاكل هناك تاني”..
قلت له: “هو في.. في النقابة عاملين مظاهرة بمناسبة عيد الشرطة، بينددوا فيه بتعذيب الشرطة للناس”..
رد قائلا: “والله البلد حالها بقى صعب أوي”..

وخرج سريعا من مأزق الكلام في السياسة، فبدأ “يفضفض لي” عن ابنته التي تنتظر إجراء عملية قلب مفتوح وكيس الدم الذي بلغ ثمنه 180 جنيها، وفصيلة دم ابنته النادرة، وو و.. ولم يعلم أنه – إن صدق – قد تحدث في صميم السياسة..

وصلت المظاهرة و.. كما توقعت.. كان العدد صغيرا جدا، والمظاهرة صامتة، وقف فيها نشطاء من حركة كفاية وحزب الغد والإخوان المسلمين، أمام نقابة الصحفيين، وأمامهم من الجهة الأخرى وقف اللواءات والضباط وهم لا يكترثون بما يرون من المتظاهرين، في يد كل منهم إما الموبايل أو كوب من الشاي، ينظرون للمتظاهرين بحالة من الملل وكأنهم ينظرون إلى ذبيحة تتقلّب في موضعها قبل أن تفارق الحياة.

وحول الشباب وقف “العسكر”، هؤلاء الذين يعرفهم المواطن المصري جيدا، فهم “الديكور” المرصوص عند مرور أحد الشخصيات السياسية، أو الحاجز البشري الذي يحيط بالمتظاهرين ليحول دون تمردهم وتفكيرهم في التحرك في الشارع. ذلك العسكر دائما تحمل قسمات وجهه الجهل بما يجري، فهو دائما “عبد المأمور” الذي انتزع منه جلبابه وفأسه، أخذ من أرضه، كي يقف ليزين شوارع العاصمة، ويؤكد حضور الدولة، ويحمي “هيبتها”.

بقي الصمت طويلا، والمتظاهرون يحملون لافتات كتب عليها “لن ننسى شهداءنا”.. “أمن الدولة، كلاب الدولة”.. والتف الصحفيون وأخذوا يلتقطون الصور.. وكان المشهد غريبا، فكان ينظر بعض المتظاهرين لبعض الضباط، ويحيونهم بابتسامة وإيماءة، فهمت منها “كيف حالك؟ أذكرك جيدا!”، ويرد الضابط النظرة من الجهة الأخرى بابتسامة تقول: “أعرفك، وسئمت من متابعتك، وسآخذك لاحقا إن أردت”.. تلك اللغة المتبادلة ظلت طويلا، إلى أن بدأ دوّت صرخة هائلة من أحد المتظاهرين:

“كفاية تعذيب في البشر!! الحرية يا شرطة مصر!”.

ثم وقعت عيناي على أحد المتظاهرين وقد تقدمهم.. شاب نشط عرفته في حركة شباب من أجل التغيير لكفاية، وقد كان مليئا بالحيوية والمرح، إلى أن سمعت يوما أنه “اختطف” في ليلة من وسط البلد، وبقي في السجن شهورًا طويلة، تعرض فيها لانتهاكات وصفها لاحقا بالتفصيل.. وقد قاد زملاؤه حملة إعلامية على الإنترنت للتنديد بما تعرض له من تعذيب. لم أكن قد قابلته منذ عامين، فنظرت له ولاحظت أن قسمات وجهه قد تغيرت، وبدا كأن سنوات طويلة قد حطت على عمره.

ذهبت إليه ووجدت نفسي أخاطبه كأنه مريض في غيبوبة: “ازيك؟ فاكرني؟”
فرد ببطء “إيوه.. ازيك يا أروى؟ ماشفتكيش من زمان”..
“الحمد لله.. حمدا لله على سلامتك” فابتسم وحنا رأسه..
قلت لنفسي.. “لا حول ولا قوة إلا بالله، المسكين خلاص ضَرَب”..
“اللي جرى له ده مش من التعذيب، ده من اللي بيعمله في نفسه..” قالت لي زميلة لي قابلتها بالصدفة هناك: “حالات التعذيب دي حالات فردية، بتحصل في التحقيق مع ناس معينة، اشمعنى هم بس اللى بيحصل لهم كده؟ سمعت عمرك عن الإخوان بيشتكوا من تعذيب؟”

تعجبت من السؤال؛ لأن أول ما خطر لي حين سألتني “زينب الغزالي وسيد قطب” أشهر اسمين تعرضا لألوان التعذيب من الإخوان.. ألم تفكر فيهما؟
أضافت الزميلة: “في النهاية إحنا بنتكلم عن التحقيق في الأقسام، مش المعتقل، أيام التعذيب في المعتقل دي خلاص”.

يادي العار

عسكر مصر.. الحاجز البشري - تصوير أروى محمود

كانت هي إحدى المنظمين للمظاهرة، فسألتها: “ولِمَ التظاهر اليوم إذن؟” قالت: “للوقوف ضد ممارسات الترهيب بصفة عامة، وإن لم يكن التعذيب معمما، فهو ما زال يمارس”..
ثم شرحت لي أنهم بدءوا ما يسمونه بـ “يوم العسكري الأسود” كيوم سنوي في نفس يوم عيد الشرطة، ينددون فيه بتسلط الشرطة وانتهاكاتها لحقوق المواطنين، وسياسة الترهيب التي تلاحق بها الصحفيين والنشطاء وكل من يقول “لا”.

ثم فجأة بدأ هتاف شلّ حركتي:

يا دي العار! يادي العار!
السجون مليانة أحرار!
والعسكر سابوا خط النار!

كلمات قصيرة رمت معانٍ ثقيلة، حملت الطعم المرّ الذي يتجرعه الكثير من المصريين وهم يشاهدون حالة التغييب الجماعي التي سادت البلاد حين سلبت الحرية، وقد حوصر الشعب بالفيديو كليب وأنذرهم صوت هيفاء: “رجب! حوش صاحبك عني!”..

في ثقافة التغييب الجماعي، تركت مصر معاني الحرية والصبر والكرامة التي حملها لبنان عبر محنه الطويلة، ذلك البلد الحبيب الذي تتمزق أوصاله، واستوردت منه هيفاء، واختزلت كل ما لديها من ثقافة وتراث، وصدّرت له “كتكوت” الذي رأيت صوره معلقة في بعض شوارع بيروت..
أهذا ما يحدث حين تُملأ السجون بالأحرار، ويترك العسكر خط النار؟

صمتّ، وتوقفت عن التصوير، وفكرت طويلا.. في عام 1952 استبسل ضباط الشرطة في مواجهتهم للعدوان، وأصبح يوم 25 يناير عيدا لهم وذكرى للشهداء الذين قدموا حياتهم للوطن. لم يخطر ببال أحد حينها أن البلاد سيجرها التاريخ إلى يوم يقف فيه أبناؤها في نفس المناسبة، ويسمون اليوم بيوم العسكري الأسود، ويحيون ذكرى مواطنين مصريين قتلوا إثر التعذيب على أيدي الشرطة..

شرطي يحمل وردًا

ثم تذكرت ما رأيته صباح نفس اليوم في طريقي إلى مكان عملي.. ذلك الشرطي الذي حمل ورودًا يوزعها على الأفراد في إشارة المرور وعلى وجهه ابتسامة بريئة رقّ لها قلبي على الرغم من صدمة الضحك التي انتابتني وأنا أراه يحمل الورد بدلا من العصا..
وسألت نفسي.. هل يعي ذلك الشاب في أي جهاز يعمل؟ هل يعلم كمّ الكراهية الذي يحمله الكثير من المصريين تجاه زيه؟ هل يعلم جيدا ما يمارَس باسمه؟ أم تراه يعلم، ويمارس الشيء ذاته، ولكن اليوم اختار ببساطة أن يحمل الورود؟

ثم أفقت من رحلتي على صوت المتظاهرين وهم ينشدون النشيد الوطني، وقد تغيرت كلماته..

“مصر يا أم البلاد..
لسه فيك اضطهاد..
في السياسة والاقتصاد..
عايزة ثورة يا بلادي”..

اعتصر قلبي، واكتفيت بما شهدت وسمعت، وفارقت المكان ووجدت نفسي أدندن الكلمات الأصلية للنشيد..

“مصر يا أم البلاد..
أنت غايتي والمراد..
وعلى كل العباد..
كم لنيلك من أيادِ”..

كم من أياد ليعود صفاء نيلِك يا مصر؟


, , , ,

أضف تعليق

الراعي الرسمي للراجل المصري

على الطريق الدائري الذي يربط القاهرة بحي التجمع الخامس.. كنت كنت أتوجه بسيارتي إلى الجامعة حين فاجأني إعلان كدت أفقد حياتي بسببه.. فالطريق سريع والسيارات تجري فيه بجنون.. ولكنه استوقفني وشد انتباهي أكثر مما كان يجب في طريق مثله

كان إعلانا عن أحد المشروبات الذي اعتادت الشركة المنتجة له أن تربطه ربطا قاطعا بالرجولة.. فمن شربه صار رجلا حقيقيا.. فهو مشروب طعمه “ما يقدّروش إلا الرااااجل”

ولكن هذه المرة حمل الإعلان صورة للاعب وهو يجري خلف الكرة.. وقد كُتِب بجوار الصورة اسم المشروب وتحته: الراعي الرسمي للراجل المصري

طريف أن يصبح مفهوم “الراجل المصري” سلعة.. تم تخصيصها كسائر السلع.. وأصبح لها رعاة ومروجين.. وهم وحدهم يملكون حق تعريفها ونقلها للآخرين

فاليوم.. “الراجل المصري” رجل يلبس الشورت والفانيلا الحمراء.. ويجري خلف الكرة..

ليست الكرة كرياضة هنا بيت القصيد.. بل إنه احتكار الكرة لمفهوم الرجولة والبطولة.. فمن أحب المنتخب المصري كان وطنيا.. ومن همشه صار موضع ذم وشجب، يشك في وطنيته وانتمائه لمصر

أما الآن.. فقد أصبح الموضوع أكثر حساسية.. فإن الرجولة المصرية تكمن في تشجيع المنتخب المصري.. ماذا يفعل الرجل المصري الذي لا يحب الكرة؟ بل ماذا يفعل ٨٠ مليون مصري ليسوا من لاعبي المنتخب؟

فالجيش منتخبنا.. والأرض ملعبنا.. والسلاح كرتنا

, ,

5 تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: