Posts Tagged سياسة

الإحباط والأمل بين طالبتين مصريتين

بقلم رضي السمّاك

( نشرت في أخبار الخليج عام ٢٠٠٨)

أروى صالح

غداة انفجار الانتفاضة الفلسطينية ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 2000م، وما ارتكبه العدو الإسرائيلي خلالها من جرائم إبادة وتنكيل بحق الشعب الفلسطيني مما أدى حينها إلى تفجر السخط العربي العارم ضد إسرائيل والمتمثل في اندلاع مسيرات ومظاهرات العنف العربي في البلدان العربية كافة تضامنا مع الشعب الفلسطيني وتنديدا بالعجز الرسمي العربي المتفرج على جرائم الاحتلال..

في ذلك الوقت وحيث كانت الحركات الطلابية العربية في مقدمة المشاركين في تلك المسيرات والمظاهرات الاحتجاجية لاحظ المراقبون والمحللون السياسيون دخول فئات طلابية عربية جديدة لم يعرف عنها تاريخيا وتقليديا المشاركة في الحركات الطلابية. ولعل من أبرز هذه الفئات طلبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وأتذكر حينها بأني كتبت مقالا قارنت فيه تاريخيا الحركة الطلابية بين الجامعتين الأمريكيتين في القاهرة وبيروت. ففي حين تكاد تقتصر الجامعة الأولى على أبناء الذوات والباشوات في مصر، وهو ما يفسر، إلى حد كبير، أحد الأسباب الرئيسية لابتعاد طلبتها عن الانخراط في الحركات الطلابية المصرية على امتداد عقود طويلة منذ تأسيسها، فإن الجامعة الثانية، بيروت، عرفت بعراقة الحركات الطلابية اللبنانية والعربية فيها منذ وقت مبكر في القرن العشرين وعلى الأخص منذ الأربعينيات وحيث كانت معقلا رئيسيا لولادة وتنامي معظم التيارات السياسية العربية المعاصرة، وعلى الأخص القومية واليسارية، وحيث ضمت الجامعة في صفوفها فئات اجتماعية مختلفة ولم تقتصر فقط على أبناء الذوات، وذلك لأسباب ليس هنا موضع تناولها.

مناسبة هذه المقدمة الطويلة، هو ما حفل به معرض الكتاب الحالي من إصدارات جديدة مهمة والتي كان من ضمنها كتاب الطالبة المصرية بالجامعة الأمريكية في القاهرة الموسوم «قتال حزب الله.. الدين في مواجهة إسرائيل.. كيف انتصر حزب الله في حرب تموز 2006؟«، وهو من إصدارات «دار الأمير« البيروتية. وقد لفت نظري في يوم افتتاح المعرض بأن عنوان هذا الكتاب قد جذب انتباه وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أثناء تجوله بين أجنحة المعرض، حيث حرص على شرائه، إلى جانب كتب أخرى. وبحكم زمالتي معه في لجنة إعداد قانون جديد للنشر والصحافة التي عين أعضاءها سمو ولي العهد فإن الشيخ خالد كان معروفا عنه بعمق واتساع ثقافته السياسية العامة. وبدوري حرصت على شراء هذا الكتاب.

وكان أول ما لفت نظري في غلافه اسم المؤلفة أروى محمود، وعلى الفور قفز ذهني إلى اسم طالبة مصرية راحلة نظيرة لها في الاسم الأول أروى صالح، حيث ماتت في ظروف مأساوية أواخر التسعينيات، وكانت من رواد وخيرة القيادات الطلابية في السبعينيات إبان صعود الحركة الطلابية بجامعة القاهرة، إلا أنها انهارت في لحظة ضعف إنساني فأقدمت على الانتحار، لا لأسباب خاصة عاطفية أو عائلية أو معيشية كحال أكثر المنتحرين العرب، بل لأسباب سياسية عامة، وذلك على خلفية طول معاناتها المؤلمة، ونفاد صبرها من القدرة على التكيف مع اتساع وتعمق حجم التحولات الارتدادية السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع والحياة السياسية المصرية، وهي التحولات التي ترجمت نفسها في تغير مواقف ومسلكيات العديد من رفاق الأمس وطغيان النزعات والمصالح الأنانية الاستهلاكية والمادية الفردية على مواقف العديد من الناس، مقارنة بالعصر الطلابي الذهبي الذي كانت شاهدة عليه ومن صناع أحداثه. وكانت أروى صالح التي تمثل واحدة من جيل طلبة السبعينيات الذي عرف بعنفوان وحرارة أحلامه الثورية الملحة في التغيير السياسي قد حرصت على تدوين خواطر معاناتها النفسية المريرة من جراء تسارع تلك التحولات الارتدادية صدرت بعدئذ في كتاب لها بعنوان «المبتسرون«. ولأن كان كتاب أروى صالح جاء ليعبر عن عمق الإحباط الذي انتابها من جراء تراجعات المد الوطني والقومي في مصر والبلدان العربية، فإن كتاب أروى محمود التي هي من أبناء الجيل الطلابي العربي المعاصر جاء ليعبر بشفافية وصدق مشاعر مفعمة الأمل باستشراف بزوغ الفجر العربي الجديد، وذلك من وحي تأثرها وحماسها الشبابي الحار في لحظة من اللحظات التاريخية العربية المعاصرة النادرة المعبرة عن الكرامة العربية والتي تمثل بقعة ضوء وسط بحر الظلام العربي الدامس الطويل، وذلك كما تجلت في صمود المقاومة الوطنية بقيادة حزب الله في وجه العدوان الإسرائيلي الهمجي البربري على الشعب اللبناني في صيف عام 2006، حيث تابعت هذه الشابة الطالبة العربية المصرية أحداث الحرب، مزهوة بما حققته تلك المقاومة اللبنانية من بطولات صمودية في وجه العدوان تمكنت خلالها من إحباطه ومتفجرة، أروى محمود، غضبا وحقدا ضد العدو الإسرائيلي لما ارتكبه من جرائم يندى لها جبين البشرية بحق شعب أعزل بأكمله وعلى الأخص في الجنوب.

وأهمية هذا الكتاب تكمن من كونه في الأصل رسالة ماجستير باللغة الإنجليزية قدمت خلال شهر مايو الماضي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتمكنت أروى محمود من اجتياز مناقشة الرسالة ونيل شهادة الماجستير حيث أشرف على الرسالة الدكتور جيفري هيلسينج، أما لجنة المناقشة فقد تكونت من هذا الأستاذ نفسه، والدكتورة هبة رؤوف عزت، والدكتور وليد قزيحة.

كما تتجلى أهمية الكتاب في أن مؤلفته لدى اهتمامها البالغ بتوثيق وتحليل دلالات وأبعاد ذلك الصمود الذي اجترحته المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله لم تكتف بالاقتصار على جمع المصادر الإعلامية أو المراجع والمؤلفات العربية والأجنبية التي عنيت برصد وتحليل تلك المواجهات بين المقاومة والعدوان فحسب، بل الأهم من ذلك فقد أولت اهتماما بالغا بإجراء حوارات ومعاينات عيانية مباشرة في كل المناطق الجنوبية واللبنانية عامة التي كانت ميادين للمواجهة مع العدو وحيث شهدت تدميرا وتخريبا واسع النطاق يعبر عن عمق الحقد الذي يكنه هذا العدو تجاه اللبنانيين والعرب عامة، وأجرت حوارات مباشرة مع ذوي الشهداء والأسرى والجرحى والبطلات الأمهات الثكالى، وقادة المقاومة وخصت الشكر لمساعدتها في إنجاز رسالتها العلمية المهمة بالإضافة إلى أساتذتها كلا من محمد حسين بزي مدير دار الأمير للنشر، ود. حسين رحال، وحسان بدير، ود. أمين حطيط، والشيخ حيدر دقماق والحاج أحمد يوسف. وقدم للكتاب الرسالة الشيخ نعيم قاسم الأمين العام المساعد لحزب الله. وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب فإنه جاء كبيرا في عمق تحليله الرصين بحيادية وموضوعية في تأصيل مكامن ضعف العدو الإسرائيلي المدجج بأعتى أنواع الأسلحة المتطورة الحديثة مقارنة بمكامن وسر قوة المقاومة ممثلة في حزب الله والتي أفشلت عدوانه بأسلحة متواضعة.

أهمية الكتاب كما ذكرنا ليس في صدوره فقط باللغة الإنجليزية حيث ترجمته المؤلفة إلى العربية، بل فيما لا يخلو من مغزى ومفارقة أن موضوعه قد أجيز في جامعة أمريكية وهو ما يسجل لصالح تقاليد حرية البحث العلمي في الجامعات الأمريكية. وهو إذ يمثل إضافة قيمة مهمة تثري المكتبتين الإنجليزية والعربية على السواء، وبخاصة في الظروف السياسية الراهنة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية، فإننا نأمل أن تسنح لنا الفرصة قريبا بإذن الله بالتحليل والتعليق على أهم موضوعاته.

, , , , , , ,

أضف تعليق

مع العميد أمين حطيط حول قتال حرب تموز 2006

أروى محمود

كان عام ٢٠٠٧ هو عام لبنان بامتياز.. تشرفت بلقاءات عدة مع عدد من الشخصيات البارزة.. هذا الحوار أجريته مع العميد الركن المتقاعد أمين حطيط حول حرب تموز والأبعاد الاستراتيجية للقتال.. وذلك بمناسبة مرور عام على الحرب.. أجريت المقابلة في منزله.. ولي أن أعترف بأنني سلبت من مهنيتي حين وجدت نفسي أصمت وأتركه يسترسل في الحديث، فقد كان حديثه ممتعا ومفيدا، استمرت المقابلة لمدة ساعتين وتمنيت ألا تنتهي.

(نشرت على موقع إسلام أون لاين في أول ذكرى لحرب تموز عام ٢٠٠٧)

قبل عام واحد (13/7/2006م) اندلعت الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، وانتهت، في حين ازدادت حدّة الأزمة اللبنانية، دون أن تظهر معالم حلّ “لا غالب ولا مغلوب” الذي تتحدّث عنه جميع الأطراف، ولا يغيب في ذلك عنصر ما صنعته الحرب نفسها داخليا، وكان الجدال أثناءها وبعدها محتدما، شديد السخونة، كسخونة الحرب نفسها؛ فهل يمكن بعد عام على اندلاعها أن تتضح الرؤية من جديد، لا سيما وأنّ الإسرائيليين أقرّوا بهزيمتهم واتخذوا ما اتخذوا من إجراءات داخلية تأكيدا لذلك؟.

العميد الركن د. أمين حطيط من أبرز الخبراء العسكريين في لبنان، كان قد مرّ عامان على تقاعده عندما اندلعت الحرب، ولكنّه بقي دوما في صدارة الحدث، من خلال أكثر من مؤلّف أصدره، ومن خلال كتاباته وحواراته الإعلامية العديدة، لا سيّما حول الحرب نفسها التي انفرد بالتأكيد منذ أيامها الأولى بأنّها ستكون عدوانا جويا ثم حربا أرضية، ثم تنتهي بهزيمة إسرائيلية، خلال أسابيع وليس خلال أشهر.

تعليل سخيف للحرب

آنذاك كان لموفد “إسلام أون لاين.نت” في لبنان لقاء معه، وقبيل مرور العام الأوّل على الحرب، تكرّر اللقاء معه، وأجرته الزميلة أروى صلاح الدين محمود، للحديث مجددا عن الحرب وحصيلتها، ومع بداية اللقاء يتجدّد أيضا السؤال عن بداية الحرب، هل كانت فعلا بهدف تحرير الجنديين الأسيرين الإسرائيليين، كما قيل آنذاك، والمعروف أنّهما لا يزالان في الأسر إلى الآن. يقول العميد حطيط:

– بالنسبة لحرب تموز (يوليو)، هي لم تكن ردة فعل على أَسْر، ولم تكن ردة فعل مقررة من سنة أو من سنتين. القرار بحرب على لبنان متخذ من أيار (مايو) 2000. وهنا أخص موقعكم بهذا الحديث الذي لم أذكره لأحد، وكنت رئيسا للجنة التحقّق من الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، وعندما كنا نصارع على السنتيمتر وعلى المتر وعلى المترين، في أحد المواقع، وبعد حدّة من الجدل، تقدّم مني ضابط من قوات الطوارئ الدولية الذي كان في اللجنة وقال لي “ما الذي سيغير بالنسبة لكم تقدم متر أو مترين طالما أنها لن تُستعمل لا في الزراعة ولا يوجد بترول؟” قلت: “هذه أرضنا أولا.. ولكن لماذا لا توجّه هذا السؤال إلى العدو الإسرائيلي؟” قال “سألتهم وأجابوا إننا بحاجة لهذين المترين؛ لأن علينا أن ننتقم فيما بعد”.

القرار بحرب ضد لبنان بعد الانسحاب كان قرارا إسرائيليا نهائيا، وكان ينتظر أمرين:

التحضير والظروف المكانية والزمانية. والذي يؤكد هذا القول أن لجنة فينوجراد، عندما حققت، لم تبدأ في التحقيق بتاريخ أسر الجنديين لترى كيف كان الأداء، بل انطلقت بتاريخ بداية التحقيق من 25 أيار عام 2000، وحاسبت الحكومات ورؤساء الأركان منذ ذاك التاريخ. حاسبت كل من قصّر في التحضير للحرب، وهذا الذي صدر في القسم الأول من التقرير. أما بالنسبة لإدارة الحرب ونتائجها، لم يصدر التقرير به حتى الآن لمنتصف شهر تموز (يوليو). وبالتالي، لجنة فينوجراد قطعت بشكل لا يقبل الالتباس ولا الشك ولا الجدل، قطعت بأن الحرب مقررة على لبنان كمبدأ منذ العام 2000.

أما الحرب كحصر في الزمن، قررت على لبنان بقرار أمريكي وبعد نهاية العام 2005، ونحن -اللبنانيين- نذكر تماما ما قاله رئيس الحكومة فؤاد السنيورة لوزيرة خارجية أمريكا رايس في منتصف كانون الأول (ديسمبر) عندما جاءت إليه تعاتبه لماذا لم ينفذ وعده بنزع سلاح حزب الله. فقال لم نستطع. ثم سمح لنفسه بشيءٍ مقيت أمام الإعلام، فقال “نشكر صبرك علينا”، والكل يعلم، وذلك لأنها قبلت عذره بأنه لم يستطع أن ينفذ المهمة بنزع سلاح حزب الله. وعندما اعتذر وقال إننا لن نستطيع أن ننزع السلاح كان العمل على خطين، خط داخلي للإلهاء، وهذا ما سمي الحوار، وهذا رأيي في الحوار ومنذ أن انطلق الحوار كان رأينا فيه أنه حوار للقبض على قائد المقاومة على طاولة المفاوضات وإلزامه بالاعتراف بوجوب التجريد من السلاح. ولكن لأنه استطاع بحجته المقنعة وبحكمته العميقة أن يحوّل النقاش من سلاح مقاومة إلى إستراتيجية دفاعية، تمّ تقريب موعد الحرب. أما أسر الجنديين فاتخذ سببا سخيفا لشن حرب مقررة ومحضرة ويعلم بها الجميع. وللأسف، يؤلمني أن أقول، ويمولها بعض العرب.

العميد الركن “أمين حطيط” قائد كلية القيادة والأركان سابقا، أستاذ فلسفة القانون في الجامعة الإسلامية في لبنان، أستاذ القانون المدني والتجاري في الجامعة اللبنانية، مفوّض الحكومة اللبنانية عام 2000م لدى ترسيم الخط الأزرق على الحدود بين إسرائيل ولبنان. وسبق أن شرح أسباب الحرب بعبارات أخرى في لقاء صحفي قال فيه: “عندما حصلت عملية أسر الجنديين، انطلقت إسرائيل لتقول إنها تريد تحرير الأسيرين. لا يمكن للمحلّل إغفال أن الوسائل التي تستخدم في الحرب لا تتناسب مع الهدف المعلن، وبالتالي يجب البحث عن الهدف المضمر. نعود إلى التاريخ القريب والمتوسط لنجد القرار 1559. إذًا الهدف ليس تحرير الأسيرين، هناك تطبيق القرار. ثم نرتدّ إلى إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن الشرق الأوسط الجديد، ونستنتج: هي إذًا ليست حرب الأسيرين ولا تطبيق الـ 1559 فقط، إنما حرب إقليمية لإعادة صياغة المنطقة. التحليل في هذه الحالة لا يعود إلى مجرد توقعات بل معلومات: هناك قرار أمريكي إسرائيلي بالتخلّص من المقاومة في لبنان للانطلاق إلى تغيير في الشرق الأوسط، وهذا القرار وضع تنفيذيا بموجب خطة موضوعة مسبقا، وانتظر ظرفا انطلق منه لينفّذ هذه الخطة القائمة على مرحلتين”.

سر الانتصار

تلك الحرب كانت في نظر جهات كثيرة أقرب إلى “نزهة” حسب التعبير الشائع، وهو ما فسّر في حينه تسرّع رايس في الإعلان غير المباشر عن الهدف بطرحها شعار “الشرق الأوسط الجديد”، وقد مات الشعار في هذه الأثناء، فقد ظهر للعيان أن الحرب انتهت بهزيمة، وأن المقاومة لم تكن لقمة سهلة المنال على الدبابات والطائرات الإسرائيلية، فما سر قوّة المقاومة اللبنانية؟.

للخبير العسكري العميد الركن أمين حطيط نظرته المتميزة على هذا الصعيد، وخبرته الإعلامية تمكّنه من طرح الجواب طرحا واضحا عندما يحدّد أولا طبيعة “المقاومة” العسكرية الناجحة فيقول:

– حتى نقول بوجود مقاومة ناجحة، يجب أن نقول بثلاثة عناصر:

العنصر الأول هو الإنسان، والعنصر الثاني هو السلاح، والعنصر الثالث هو نمط القتال والإمرة.

لو استعرضنا أسباب وعناصر نجاح المقاومة بوجه إسرائيل لوجدنا أن الإنسان الذي قاتل قاتل بعقيدة جوهرها العقيدة الإسلامية، النصر أو الشهادة. وبالتالي عندما يدخل مقاتل المقاومة الإسلامية في الميدان يضع نصب عينيه هذا العنوان، النصر أو الشهادة، والآية: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} وبالتالي المقاتل في المقاومة الإسلامية رغم التدريب ورغم كل الكفاءات، الأهم من التدريب ومن الكفاءات هو الشحن المعنوي العقائدي الذي لا مثيل له. لو جئنا بهذا المقاتل ودُمج في الجيش هو نفسه، الجيش اللبناني ليس كله من المسلمين، وإرادة القتال عند غير المسلمين قد تكون متفاوتة، ولكن لكل شخص فكره العقائدي وطريقته في الدفاع عن حقوقه. والذي اختُبر حتى الآن أن الفكر العقائدي الإسلامي بهذه الصيغة هو الأرقى.

ثانيا، بالنسبة للسلاح، السلاح الذي ينبغي أن يمتلكه الجيش هو السلاح المناسب لتنظيمات وتشكيلات تقليدية مناسبة. هذه الأسلحة والطاقات غير متوفرة إمكاناتها للجيش اللبناني. لا متوفرة بالمال ولا متوفرة في السوق. وبالتالي إذا ربط الجيش بالمقاومة بمسألة السلاح، فسنأتي بسلاح خفيف ويذهب إلى تشكيلات تقليدية، فننهي دور السلاح.

ويؤكّد حطيط أهمية العنصر الثالث وراء انتصار المقاومة الذي تنكره جهات عديدة؛ فهو عنده:

– الأمر الأهم والأخطر هو نمط القتال. المقاومة تقوم بنمط قتال غير تقليدي، قتال العصابات والمجموعات الصغيرة التي تستطيع أن تنهك قدرات العدو دون الحد الأدنى من الضرر.

ثم يحدّد معيار المفهوم العسكري للقول بانتصار المقاومة:

– أكبر دليل هو أن شهداء المقاومة الإسلامية في حرب تموز (يوليو) لم يصل عددهم إلى الـ200، أقل بكثير. بينما قتلى العدو المعلن عنهم 296 قتيلا و680 جريحا. هؤلاء المعلن عنهم، ولكن في مراقباتنا، القتلى وصلوا إلى حوالي 450، والجرحى إلى 900.

في حرب 67 أعلنت إسرائيل عن 3 قتلى و18 جريحا. كل حرب 67.. احتلت 3 دول عربية وأعلنت عن هذا العدد. ثم لحفظ الكرامة للآخرين، أعلنت كرقم نهائي عن 5 قتلى و21 جريحا. بينما قتال 33 يوما انتهت بهزيمة، تسبب، بالمعلن لديها، بـ296 قتيلا. لماذا؟ لأن المقاومة قاتلت قتالَ نمطٍ بين النمطين، بين التقليدي وغير التقليدي. إذا دمجنا المقاومة بالجيش فسيضيع هذا النمط من القتال، وسنؤثر على الوضع المعنوي، وستصبح المقاومة فصيلا آخر من فصائل الجيش اللبناني لن يحقق أي جدوى. ونمكّن إسرائيل من التهامه كما التهمت الجيوش العربية الأخرى. وبالتالي القول بدمج سلاح المقاومة في الجيش اللبناني هو عملية تقديم رأس المقاومة للمشروع الغربي. لذلك تنتهي المقاومة إذا دمجت في الجيش.

ويعلل حطيط سبب معارضته الشديدة لدمج المقاومة في الجيش:

– الجيش اللبناني هو جيش مختلط من كل المذاهب، مسيحي ومسلم وكل المذاهب. الشحن العقائدي للمقاومة هو شحن عقائدي إسلامي صاف، إذا عمدنا إلى نفس الشحن في الجيش اللبناني فإننا سنفجر الجيش اللبناني لسببين، أولا أن الجيش اللبناني قائم على التوازنات، الجيش اللبناني اليوم 36 ألف عسكري، تقريبا نسب متقاربة بين المسلمين والمسيحيين. إلى الآن لا أحد يستطيع أن يدعي كم هو عدد أفراد المقاومة، حتى إن سألنا أحد عناصر القيادة في المقاومة، إن عرفوا فلن يقولوا، والأرجح أنهم لا يعرفون؛ لأن ذلك من العمل السري الذي تمتاز به المقاومة. لنفترض أن عدد المقاومين 15 أو 20 ألفا، حتى نكون صادقين وصريحين، هؤلاء هم شيعة فقط. لو دمجنا 20 ألفا بـ 36 ألفا، ومنهم على الأقل 8000 شيعي، إذا انتهينا بـ28 ألف شيعي يصبح الجيش شيعيا، وهذا الوضع لا يحتمله لبنان. إذن المسألة ساقطة لاستحالة الموضوع.

كما يحذّر حطيط من التنازل في مسألة تسليم سلاح المقاومة، ويقول جوابا على السؤال عن سبب معارضته هذه:

– سأجيب هنا كمراقب ومحلل عربي مسلم. نحن الآن في لبنان وفي منطقتنا كلها، كانت النتائج التي حصدت في عام 2000 نتائج تراكمية لعمل مقاومة وسجلت نصرا ولكن هذا النصر نصر في جولة أو نصر في حرب. ثم كانت ردة الفعل الإسرائيلي في عام 2006، وكان النصر للمقاومة نصرًا في جولة ونصرًا في حرب. لكن نحن لم ننهِ الصراع، أنا عندما أنهيت مهمتي في العام 2005 وكتبت كتابي الذي أضع فيه تجربتي، ختمت الكتاب بهذا الفصل، وله دلالة، نهاية المهمة وبقاء الهم… هذا اسم الفصل. نحن الآن مع العدو الإسرائيلي لم ينته أمرنا أو صراعنا، صحيح انتصرنا في 2006، ولكنه نصر في جولة أو نصر في حرب، أما الصراع ففيه جولة جديدة. الصراع مستمر، فلا حديث عن تنازلات في سلاح المقاومة.

حرب الشعوب مستقبلا

النظرة المستقبلية لا تقل أهمية عن تحليل ما جرى من أحداث سابقة، وهي متميزة عند أمين حطيط صاحب كتاب “صراع على أرض لبنان” الذي يوثق حقيقة “الخطّ الأزرق” في الجنوب، وصاحب كتاب “الإستراتيجيا الدفاعية: مبادئ عامة وتطبيق في لبنان” الذي كان على وشك إصداره عندما سبقته الحرب، فتسابقت على سماع موقفه وسائل الإعلام اللبنانية والعربية منذ ذلك الحين، وهو على ثقة بأن الحسم لن يكون للحروب التقليدية مستقبلا، ويشرح موقفه ذلك بقوله:

– في 5 حزيران (يونيو) منذ سنتين، رغب صديق مصري يعمل في تلفزيون المنار، بمناسبة ذكرى حرب حزيران أن يسلط الضوء على هذه الحرب وما تبعها من حروب، وكنت ضيفه في الحلقة يومها. لم تكن حرب 2006 قد نشبت. وقلت يومها، العام 1973 كان نهاية الحروب التقليدية في الشرق الأوسط ويمكن أن يكون نهاية الحرب التقليدية في العالم. لأن الذي يملك السلاح المتطور يستطيع أن يحسم بقواته التقليدية أي حرب، وبالتالي الدول الضعيفة أصبحت جيوشها لحماية الأنظمة من الشعوب، هكذا وصفت. الدول الضعيفة تنشئ الجيوش لحماية الأنظمة من الشعوب. أما حماية الدول، فقد سقط التكليف فيها عن الأنظمة وعن جيوشها واستعادت الشعوب مهامها في هذا الوقت، وقلت إننا الآن في مرحلة جديدة، وهي حرب الشعوب، وليست حرب الجيوش.

وبعد ذلك بسنة تقريبا جاء الوضع اللبناني ليثبت هذه النظرية. لو كان الذي يواجه إسرائيل هو جيش تقليدي لكانت استعادت إسرائيل هيبتها كما فعلت في العام 67. ولكن بما أن الشعب هو الذي واجه إسرائيل، وبمقاومة عقائدية كما ذكرت، وبنمط من القتال كما ذكرنا، فإن إسرائيل لا تستطيع أن تنتصر على شعب، وأنا أثق ثقة تامة، ومن موقعي كعسكري محترف ومكنتني خدمتي العسكرية من اكتساب الخبرة التي أعتز بها، أن إسرائيل دخلت طريق نهايتها عندما بدأت تواجه الشعوب مباشرة ولا تواجه الأنظمة. لأن الأنظمة للأسف يمكن أن تخضع باتصال هاتفي أو بوعد مصلحي. أما الشعوب فلا تسيرها إلا مصالحها الحقيقية وعقائدها الحقيقية، هذا إذا توفر لها القائد المخلص الذي يقدم ابنه في الميدان قبل أن يقدم أبناء الناس.

ولا يغفل العميد الركن أمين حطيط عن عوامل أخرى في الحروب، ولكنه يحدّد مفعولها بطبيعة تصرّف “عنصر الإنسان” معها، ومثال ذلك العامل الجغرافي:

– للجغرافيا دور، ولكن الفكر البشري، وهو ما ميز الله به الإنسان عن كل الكائنات يستطيع أن يسخر الجغرافيا له. على سبيل المثال: أفخر بأن أذكر أن هناك قائدا مصريا، في حرب خاضها في معركة في سيناء وسيناء مكشوفة، واستطاع أن يبيد تشكيلا من المدرعات الإسرائيلية بـ”الآربيجيه” عندما حفر في الصحراء المكشوفة ثقوبا بمثابة كمائن، ولم تستطع الطائرات أو الدبابات اكتشاف هذه الثقوب واستطاع أن يلحق التدمير الكامل بالمدرعات الإسرائيلية.

العقل البشري المستند إلى إيمان بالله يستطيع أن يهزم الجغرافيا ويسخرها لمصلحته. أما أن ننتظر أن تقدم لنا الأرض كل شيء ونحن فقط نقطف، فهذا الأمر أستطيع أن أقول إنه لن يحصل. نتعامل مع الجغرافيا كما هي الجغرافيا. وهنا أعطي مثلا يفخر به لبنان والجنوب خاصة، عندما كانت إسرائيل محتلة للجنوب في عام 1982 جمعت في معتقل واحد، معتقل أنصار، عددا من المدنيين والعسكريين الذكور. بلغ هذا العدد 8000 شخص. وأحيط المعتقل بثلاثة أنواع من الحواجز، الحاجز الأول هو ساتر ترابي، والثاني لفات من الأسلاك الشائكة، والثالث خندق وبعده أيضا أسلاك شائكة، وعرض هذه الحواجز الثلاثة، من المعتقل إلى الخارج، يبلغ حوالي 50 مترا. المعتقلون في أنصار، بالعود أو بالشوكة أو بالملعقة استطاعوا أن يحفروا نفقا تحت هذه الحواجز وأن يفلتوا من هذا المعتقل، واليوم سمي بيوم الهروب الكبير. استطاعوا أن يحفروا النفق وهم لا يملكون شيئا أكثر مما ذكرت، أو الصحن البلاستيك. إرادة الإنسان تسخر الطبيعة، وهنا نقول الآن -وأنا مطمئن لكلامي- إذا آمن الإنسان بربه وعمل كما يريد الله فالله يكون حسبه ويكمل له قوة كان بحاجة إليها ليقوم بعمله فيستطيع.

, , , , , , ,

أضف تعليق

يوم العسكري الأسود

أروى صلاح الدين محمود

(كتبت في ٢٥ يناير/كانون الثاني من عام ٢٠٠٧ ونشرت في موقع إسلام أون لاين)

صاحب الصرخة المدوية - تصوير أروى محمود

بعد انقطاع طويل وجدت نفسي أستيقظ صباح أمس، أجهز الكاميرا، وأنوي الذهاب إلى مظاهرة لأول مرة منذ عامين، وكنت قد سئمت حال البلاد وما يجري فيها، وشهدت خلاف النشطاء الطفولي حول توجهاتهم ومحاولة البعض الهيمنة على زملائهم بخلفياتهم وانتماءاتهم.. ولكن سماعي أخبار بعض النشطاء الذين أصبحوا الآن في نظر الكثير أبطالا مع انتشار الملفات عبر الإنترنت التي تكشف ألوان التعذيب التي تعرضوا له، ولمعرفتي الشخصية ببعضهم، وجدت نفسي أشتاق لوجوههم المشاكسة، والتي تنبعث منها روح عناد ومثابرة، يراه البعض صمودا، ويراه الآخرون صعلكة.

ركبت التاكسي وطلبت منه التوجه إلى شارع عبد الخالق ثروت، فرد قائلا: “ماشي، لكن ربنا يستر ما يبقاش في مشاكل هناك تاني”..
قلت له: “هو في.. في النقابة عاملين مظاهرة بمناسبة عيد الشرطة، بينددوا فيه بتعذيب الشرطة للناس”..
رد قائلا: “والله البلد حالها بقى صعب أوي”..

وخرج سريعا من مأزق الكلام في السياسة، فبدأ “يفضفض لي” عن ابنته التي تنتظر إجراء عملية قلب مفتوح وكيس الدم الذي بلغ ثمنه 180 جنيها، وفصيلة دم ابنته النادرة، وو و.. ولم يعلم أنه – إن صدق – قد تحدث في صميم السياسة..

وصلت المظاهرة و.. كما توقعت.. كان العدد صغيرا جدا، والمظاهرة صامتة، وقف فيها نشطاء من حركة كفاية وحزب الغد والإخوان المسلمين، أمام نقابة الصحفيين، وأمامهم من الجهة الأخرى وقف اللواءات والضباط وهم لا يكترثون بما يرون من المتظاهرين، في يد كل منهم إما الموبايل أو كوب من الشاي، ينظرون للمتظاهرين بحالة من الملل وكأنهم ينظرون إلى ذبيحة تتقلّب في موضعها قبل أن تفارق الحياة.

وحول الشباب وقف “العسكر”، هؤلاء الذين يعرفهم المواطن المصري جيدا، فهم “الديكور” المرصوص عند مرور أحد الشخصيات السياسية، أو الحاجز البشري الذي يحيط بالمتظاهرين ليحول دون تمردهم وتفكيرهم في التحرك في الشارع. ذلك العسكر دائما تحمل قسمات وجهه الجهل بما يجري، فهو دائما “عبد المأمور” الذي انتزع منه جلبابه وفأسه، أخذ من أرضه، كي يقف ليزين شوارع العاصمة، ويؤكد حضور الدولة، ويحمي “هيبتها”.

بقي الصمت طويلا، والمتظاهرون يحملون لافتات كتب عليها “لن ننسى شهداءنا”.. “أمن الدولة، كلاب الدولة”.. والتف الصحفيون وأخذوا يلتقطون الصور.. وكان المشهد غريبا، فكان ينظر بعض المتظاهرين لبعض الضباط، ويحيونهم بابتسامة وإيماءة، فهمت منها “كيف حالك؟ أذكرك جيدا!”، ويرد الضابط النظرة من الجهة الأخرى بابتسامة تقول: “أعرفك، وسئمت من متابعتك، وسآخذك لاحقا إن أردت”.. تلك اللغة المتبادلة ظلت طويلا، إلى أن بدأ دوّت صرخة هائلة من أحد المتظاهرين:

“كفاية تعذيب في البشر!! الحرية يا شرطة مصر!”.

ثم وقعت عيناي على أحد المتظاهرين وقد تقدمهم.. شاب نشط عرفته في حركة شباب من أجل التغيير لكفاية، وقد كان مليئا بالحيوية والمرح، إلى أن سمعت يوما أنه “اختطف” في ليلة من وسط البلد، وبقي في السجن شهورًا طويلة، تعرض فيها لانتهاكات وصفها لاحقا بالتفصيل.. وقد قاد زملاؤه حملة إعلامية على الإنترنت للتنديد بما تعرض له من تعذيب. لم أكن قد قابلته منذ عامين، فنظرت له ولاحظت أن قسمات وجهه قد تغيرت، وبدا كأن سنوات طويلة قد حطت على عمره.

ذهبت إليه ووجدت نفسي أخاطبه كأنه مريض في غيبوبة: “ازيك؟ فاكرني؟”
فرد ببطء “إيوه.. ازيك يا أروى؟ ماشفتكيش من زمان”..
“الحمد لله.. حمدا لله على سلامتك” فابتسم وحنا رأسه..
قلت لنفسي.. “لا حول ولا قوة إلا بالله، المسكين خلاص ضَرَب”..
“اللي جرى له ده مش من التعذيب، ده من اللي بيعمله في نفسه..” قالت لي زميلة لي قابلتها بالصدفة هناك: “حالات التعذيب دي حالات فردية، بتحصل في التحقيق مع ناس معينة، اشمعنى هم بس اللى بيحصل لهم كده؟ سمعت عمرك عن الإخوان بيشتكوا من تعذيب؟”

تعجبت من السؤال؛ لأن أول ما خطر لي حين سألتني “زينب الغزالي وسيد قطب” أشهر اسمين تعرضا لألوان التعذيب من الإخوان.. ألم تفكر فيهما؟
أضافت الزميلة: “في النهاية إحنا بنتكلم عن التحقيق في الأقسام، مش المعتقل، أيام التعذيب في المعتقل دي خلاص”.

يادي العار

عسكر مصر.. الحاجز البشري - تصوير أروى محمود

كانت هي إحدى المنظمين للمظاهرة، فسألتها: “ولِمَ التظاهر اليوم إذن؟” قالت: “للوقوف ضد ممارسات الترهيب بصفة عامة، وإن لم يكن التعذيب معمما، فهو ما زال يمارس”..
ثم شرحت لي أنهم بدءوا ما يسمونه بـ “يوم العسكري الأسود” كيوم سنوي في نفس يوم عيد الشرطة، ينددون فيه بتسلط الشرطة وانتهاكاتها لحقوق المواطنين، وسياسة الترهيب التي تلاحق بها الصحفيين والنشطاء وكل من يقول “لا”.

ثم فجأة بدأ هتاف شلّ حركتي:

يا دي العار! يادي العار!
السجون مليانة أحرار!
والعسكر سابوا خط النار!

كلمات قصيرة رمت معانٍ ثقيلة، حملت الطعم المرّ الذي يتجرعه الكثير من المصريين وهم يشاهدون حالة التغييب الجماعي التي سادت البلاد حين سلبت الحرية، وقد حوصر الشعب بالفيديو كليب وأنذرهم صوت هيفاء: “رجب! حوش صاحبك عني!”..

في ثقافة التغييب الجماعي، تركت مصر معاني الحرية والصبر والكرامة التي حملها لبنان عبر محنه الطويلة، ذلك البلد الحبيب الذي تتمزق أوصاله، واستوردت منه هيفاء، واختزلت كل ما لديها من ثقافة وتراث، وصدّرت له “كتكوت” الذي رأيت صوره معلقة في بعض شوارع بيروت..
أهذا ما يحدث حين تُملأ السجون بالأحرار، ويترك العسكر خط النار؟

صمتّ، وتوقفت عن التصوير، وفكرت طويلا.. في عام 1952 استبسل ضباط الشرطة في مواجهتهم للعدوان، وأصبح يوم 25 يناير عيدا لهم وذكرى للشهداء الذين قدموا حياتهم للوطن. لم يخطر ببال أحد حينها أن البلاد سيجرها التاريخ إلى يوم يقف فيه أبناؤها في نفس المناسبة، ويسمون اليوم بيوم العسكري الأسود، ويحيون ذكرى مواطنين مصريين قتلوا إثر التعذيب على أيدي الشرطة..

شرطي يحمل وردًا

ثم تذكرت ما رأيته صباح نفس اليوم في طريقي إلى مكان عملي.. ذلك الشرطي الذي حمل ورودًا يوزعها على الأفراد في إشارة المرور وعلى وجهه ابتسامة بريئة رقّ لها قلبي على الرغم من صدمة الضحك التي انتابتني وأنا أراه يحمل الورد بدلا من العصا..
وسألت نفسي.. هل يعي ذلك الشاب في أي جهاز يعمل؟ هل يعلم كمّ الكراهية الذي يحمله الكثير من المصريين تجاه زيه؟ هل يعلم جيدا ما يمارَس باسمه؟ أم تراه يعلم، ويمارس الشيء ذاته، ولكن اليوم اختار ببساطة أن يحمل الورود؟

ثم أفقت من رحلتي على صوت المتظاهرين وهم ينشدون النشيد الوطني، وقد تغيرت كلماته..

“مصر يا أم البلاد..
لسه فيك اضطهاد..
في السياسة والاقتصاد..
عايزة ثورة يا بلادي”..

اعتصر قلبي، واكتفيت بما شهدت وسمعت، وفارقت المكان ووجدت نفسي أدندن الكلمات الأصلية للنشيد..

“مصر يا أم البلاد..
أنت غايتي والمراد..
وعلى كل العباد..
كم لنيلك من أيادِ”..

كم من أياد ليعود صفاء نيلِك يا مصر؟


, , , ,

أضف تعليق

مليكة.. أصغر سلاح لحزب الله

أروى صلاح الدين محمود

عشت ذلك الموقف وكتبت هذا المقال وقت اشتعال الأزمة السياسية التي انقسم على إصرها لبنان مباشرة بعد حرب تموز عام ٢٠٠٦.. كانت تعلو أصوات الطائفية ويتوجس الناس بعضهم ببعض.. واهتزت رموز وطاحت أسماء كان يظن الكثيرون بنزاهتها وحكمتها.. أزمة لا تنسى وأيام أرجو ألا تعود..

(نشر في موقع إسلام أون لاين عام ٢٠٠٧)

بيروت – جلست أم وليد مع صديقاتها لتتناول القهوة، وبدأ التسامر حول ما يدور في البلاد. تراوح الحديث من الخاص إلى العام في تناسق وتناغم لا يتقنه إلا من يعيش في لبنان.

بدأ الحديث عن جودة الكعك الموجود على المنضدة، وتبادلت السيدات خبراتهن في الخبيز، وأين يوجد الخبازون الجيدون. فبادرت إحدى الجالسات بالتعليق على الخباز الذي تشتري منه.

“بصراحة هو شيعي.. قاطعته فترة.. لكن شو بعمل؟ كتير طيب خبزه! رجعت جبت من عنده!”.

ثم تطرق الحديث لأخبار إحدى الإعلاميات الشهيرات بقناة المنار التابعة لحزب الله التي كنت قد التقيتها. فأضفت أنها رزقت مؤخرا بطفلة، وأسمتها “مليكة”.

نظرت إلي أم وليد وسألت: “كم عندها من الأولاد؟”. أجبت: “ما شاء الله صاروا 4”.

اتكأت على ظهر الكرسي وأمسكت فنجان القهوة وقالت: “نعم.. هذه سياسة عند الشيعة هنا، يتكاثرون لتزيد نسبة طائفتهم فيغلبوننا نحن السنة. هذا بناء على ما أمرهم به الأمين العام لحزب الله”.

ارتشفت القهوة بهدوء، وصمت الجميع.

السياسة والتكاثر

هل أصبح خبر الولادة السعيد سببا في إثارة المخاوف والهواجس السياسية لدى الآخرين ممن ينتمون لطائفة أخرى داخل نفس المجتمع؟! سؤال توجهت به إلى د. محسن صالح مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارت في بيروت، فأجاب: “هناك إشاعات تطلق وكلام عام عن أن نسبة المواليد عند الطائفة الشيعية تحديدا هي أكثر منها لدى الطائفة السنية. ولكن لا توجد أي أرقام دقيقة أو موثقة يمكن الاعتماد عليها”.

وأضاف: “إن ثبت أن هناك زيادة ملموسة في تعداد الطائفة الشيعية في لبنان، فهذا يعود إلى أنها طائفة مستقرة في البلاد إلى حد كبير، فنسبة الهجرة عندها أقل مقارنة بغيرها من الطوائف. ولكن حتى الآن الإحصاءات تشير إلى أن نسبة الطائفتين السنية والشيعية متقاربة، وتمثيلهما في البرلمان متساو”.

الخلل الأكبر

ولفت د. صالح إلى أنه “إذا كان هناك خوف من حدوث خلل في نسبة التوازن الطائفي بلبنان فيجب أن يكون بين المسيحيين والمسلمين، وليس بين الشيعة والسنة. فاليوم الطائفة المارونية تتمتع بنسبة تمثيل في البرلمان أكبر من عددها في البلاد، وهي تفوق نسبة التمثيل الشيعي والسني. إضافة إلى أن نسبة الهجرة لديها أعلى من جميع الطوائف، كما أن نسبة المواليد لديها أقل”.

أما سميرة المصري، مستشارة وناشطة اجتماعية وتربوية، فتوضح أن “هناك حثا عاما في الإسلام على التكاثر، وذلك لدى السنة والشيعة على حد سواء، ولكن لعل الأمر أكثر وضوحا لدى إخواننا الشيعة لعوامل كثيرة، ولو أنها قد بدأت تتغير الآن، ولكن في جملتها أن أكثرهم من القرى، وهم ما زالوا مرتبطين بتقاليد القرية وبطبيعة الحياة فيها، فهم يكثرون من الأولاد كحال أبناء القرى، ومنها حرصهم على الالتحاق بالعمل المقاوم.. الأمر أكثر تعقيدا من كونه سلاحا متعمدا، فالكثيرون منهم فقط على الفطرة”.

ويثير الحديث عن تركيبة لبنان الطائفية والعرقية الدقيقة حساسيات مختلفة على الساحة اللبنانية، ولذلك تتجنب الدولة عمدا إجراء أي تعداد سكاني رسمي منذ الذي تم عام 1932 تحت الانتداب الفرنسي، وذلك تفاديا لإثارة الحساسيات التي يمكن أن تظهر حين يهدد انخفاض تعداد إحدى الطوائف حقها في التمثيل والمشاركة السياسية.

ومعظم الإحصاءات المتاحة أجريت من جانب منظمات أهلية أو جهات خارجية تعتمد بصفة رئيسية على قوة التصويت في الانتخابات البرلمانية، وهى في حد ذاتها غير دالة، فالإحصاءات متراوحة إلى حد كبير.

ويقدر موقع “CIA World Factbook”، التابع للمخابرات الأمريكية، عدد سكان لبنان  بـ3 ملايين و925 ألفا و502 نسمة عام 2007، بينهم 59.7% من المسلمين بين سنة وشيعة ودروز.

ولكن إحصاء أجراه خبير الإحصاء يوسف الدويهي أواخر عام 2006، بين أن الشيعة والسنة متساوون بنسبة 29% لكل من الطائفتين، في حين يشكل المسيحيون نسبة 35% (مقابل 55% في إحصاء 1932) والدروز 5%.

لماذا جاءت مليكة؟

لكن يبقى رد فعل أم وليد على مولد مليكة مؤشرا على أجواء من الترقب والحذر أصبحت أكثر وضوحا مع اندلاع الأزمة السياسية اللبنانية.

لم يكن هناك بد إذن من أن أحدث والدة مليكة بشأن التوجسات التي أثارها قدوم طفلتها.

فلقد استندت أم وليد إلى برهان واضح مفاده أن الأمين العام لحزب الله أمر الطائفة الشيعية بـ “زيادة الإنتاج” حتى يغلب عدد طائفتهم الطائفة السنية.

“لا تكملي.. عرفت بقية الحديث!”، هكذا قاطعتني أم مليكة حين قلت لها إن هناك من علق على قدوم ابنتها.

ثم ضحكت وقالت: “هذا الكلام يقولونه كثيرا عنا.. نعم تحدث سماحة الأمين العام عن الأمر في بث مباشر على الهواء بإحدى ليالي عاشوراء، ولكنه كان يرد به على الاتهام بوجود محاولات لتشييع السنة في بعض المناطق. فقال مازحا لو أردنا زيادة عددنا فلم نشيع الناس؟ يكفينا أن نزيد الإنتاج! وضحك المستمعون”.

وأضافت: “أنجبت ابنتي الرابعة لأسباب شخصية، فلقد أردت أن أعوض نفسي عن سنوات طويلة كنت أرفض فيها الإنجاب لانغماسي في عملي”.

وأضافت صديقة سنية لأم مليكة: “لقد قالها الأمين العام في سياق المزح، لكن الأمر تم استخدامه وأساء فهمه الكثيرون. أم مليكة تحب الأطفال. وهذا كل ما في الأمر”.

, , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: