Posts Tagged حوار مع الذات

ابتسمي..

أما آن لكِ أن تبتسمين لوجهك الشاحب في المرآه؟ أتتركينه لجاذبية الأرض والزمن يفعلا به ما يحلو لهما وقد استسلمت وأسلمت لهما زمام عمرك؟

مم تخافين؟

لقد طويت الصحف وانتهى الأمر وأفيقت أحلامك وأحلامهم.. لقد بقي من بقي وذهب من ذهب وصمت من صمت. لن يكون صمتك بعد اليوم سكوتاً عن حق، فقد قيل ما قيل وعُرِف ما عُرِف.. ولن تكون ابتسامتك خيانةً لعليل، فالعلة اليوم ليست علّة بدن، بل هي علّة نفوس وقلوب تنهش في نعوش لن يأكلها التراب ولو بعد حين. فممّ تخافين؟

أتخافين على قلبك أن يموت؟ هات لي برهاناً أن ذلك الحزن الذي يعتريك هو إكسير لحياته ثم احزني كما شئت.. إن بقي بعد حزنك حزناً.

أتخافين على ذلك المستضعف الذي لا يجد جداراً يستر خلفه حاجته وقد سُلب من حقه في الحياة كما يحياها الناس؟ أتظنين أنه يراك بالعين المجردة وقد أعياه الزحف على أنفه وذقنه حتى كاد لا يرى سوى الأسفلت وقذارته وترابه وأشلائه ودمائه؟ أٓوٓ إن نظر إليك أحسن قراءة عينيك؟ أم لم ير سوى سيارتك وحقيبتك وحذاءك وازداد نقمةً وحنقاً وحسرة؟ تُرى هل يعلم أنه هو من تخافين وأنه هو من تخافين عليه؟ هل يعلم أنك تشفقين عليه من تلك اللحظة الحتمية التي سيدفع فيها إنسانيته ثمناً لحياته وحياة أبنائه؟

مم تخافين؟ أتخافين على التاريخ؟

أيتها الحمقاء! ومتى أنصف التاريخ ضعيفاً؟

سيأتي يوما وستجلسين منحنية أمام التلفاز تتأففين وتتزمجرين وترفضين ما ترين.. ويضحك عليك الصغار والكبار وقد أعيتهم حكاياتك عن التاريخ الذي شهدتِ، وما فعلت وما كدت تفعلين.. وقد توالت الأجيال ورويت الحكايات.. توعّدَت فتَقاتلت فتَناحرت فنزفت.. فانشقت البلاد نصفين، وصار لتاريخها وجهتين، وجهة تسجد ليزيد.. ووجهة تلبي للحسين..

لقد ترجّل الفرسان المجهولون وصاروا تحت التراب.. ولقد علا المسيخ وصار فارس الزمان، وارتدى الحكمة وأمسك بكلام الله فسجد له الناس، فازداد زهواً وخيلاء وقال “ويحكم احذروا! افعلوا! اقتلوا! إني أرى ما لا ترون”. فزادهم إيماناً على إيمانهم وباتوا وأضحوا يسبحون بحمده ويشكرون لنعمته ويتفانون حباً ورغبة في قربه.

ابتسمي.. فما اهتزت الأرض لعبوس وجهك ولا سقط ظالم لجلجلة صوتك الغاضب. لن تجنين من هذا الوجه سوى تجاعيد الزمان وهِرم الروح وعجز الهِمّة وقلة الحيلة وموت الخيال. لست أنت من تختارين الموت والحياة، فالموت عدم والحياة حركة لا تقف لحجرٍ ولا لبشر. ابتسمي ورُدي دماءك لتلك العروق المتشققة علّها تلتئم.. لقد قامت همم وبنيت أمم بخيال حُر، فلِم تقتلين خيالك بيديك ولم يمسسه أبو جهل وزبانيته؟ لِم تسجنينه وقد خُلق حراً؟

أتخافين أن يُقتل الخيال وهو في مهده كما قُتِل من قبل؟ وهل يحيا الخيال في سجن عبوسك؟ اتركيه علّه يجد مخرجاً من سجنك فيحيا وحده بلا جسد. اتركيه.. دعيه يتلون ويختار صورته وصوته ولسانه.. دعيه.. دعيه حراً، فقد يكون وحده حُراً وما دونه منك عبيد.

, , , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: