Posts Tagged حرب أكتوبر

كانت مصر لا تنام

في مثل هذا اليوم من كل عام ينتابني الصمت.. أبحث عن الكلمات فلا أجدها.. تتسابق الخواطر في ذهني وتتلاحق المشاعر فتتملك من وجداني.. ولا أجد ما أقول.

في مثل هذا اليوم من ٣٧ عاما كانت هناك مصر..

وكانت مصر لا تنام..

فقد كانت بقعة من أرضها محتلة، كانت سيناء.. أرض الله المقدسة التي تجلى فيها لنبيه، تدنسها أقدام الصهاينة.. ستة أعوام يصولون ويجولون فيها ومصر تصبر.. وتفكر.. وتخطط.. إلى أن جاءت لحظة الحسم.. فقامت ونهضت بأبنائها.

هناك منهم من نعرفهم، وهناك من ظلوا مجهولين.. ملأ قلوبهم نداء الله أكبر.. وزلزلت أصواتهم المكان.. فاستجابت لهم أرض سيناء.. وعادت الحياة إلى عروقها حين سمعت صوت أبنائها.. فلفظت من عليها ودكت الحصن المنيع.. وأضاءت بأقدام المجاهدين.. واخضرت بدمائهم.

في يوم السادس من أكتوبر لعام ١٩٧٣ عبرنا القناة ودمرنا خط بارليف.. ملأت البلاد نشوة الانتصار.. وترددت بين ألسنة المصريين حكايات الجهاد والفداء والشهادة.. في هذا اليوم تكللت عزة البلاد.. وارتدّت إليها كرامتها..

ولكن من لا يحفظ تاريخ أمته ولا يوقره لا يستحق العيش فيه..

ومصر سكنها ومازال يسكنها من أهدر تلك الدماء ونسيها.. فباع النصر واشترى الانكسار.. فرضيه لنفسه ومارسه على غيره.. وكبرت أجيال لا تعرف العدو من الصديق، ولا تفهم معنى الشهادة.. وأين الشهيد.

أكره أن أطفئ فرحة الذكرى في يوم عيدها.. ولكن التاريخ يفرض نفسه أحياناً.. وإن لم نقرأه ضاع وطننا إلى الأبد.. فعلينا أن نعي معنى النصر.. وكيف نحفظه ونرعاه، فالنصر لا يبقى نصراً إلا إذا عملنا عليه وبنينا الوطن به.

اشتقت إلى مصر.. اشتقت إلى أناشيد الوطن والسلاح والنصر.. اشتقت إلى تلك البرامج الجافة التي تحكي عن الحرب وعن العبور.. أفضل التلفاز المصري القديم الذي يملأ قناته بصوت عبد الحليم حافظ ويعرض مشاهد من الحرب عن التلفاز الذي يدعوني لأكل الوجبات السريعة..

أبحث عن مصر في الصور القديمة.. في صور أبي.. وجدي.. وأمي.. وجدتي.. أبحث عنها في الملفات المصورة عن أسرى مصر المفقودين.. وأهليهم الذين لم يفقدوا الأمل بعد في العثور على رفاتهم.. أبحث عنها في بسمة أهل سيناء.. هؤلاء الذين صاروا الحماة الوحيدين لرفاة الشهداء.. فيقدسونها ويغطونها كلما كشف عنها التراب..

أبحث عن مصر في صخور جبال سيناء.. أحاكيها.. أسألها عما رأت وما سمعت.. أسألها عن الرجال.. ربما دلتني..

مصر الأسيرة ستنهض يوماً.. مصر المحتلة ستتحرر.. ستتذكر.. وستقوم..

مصر خصبة بدماء شهدائها.. تقتات برفاتهم العطرة المبعثرة في الأرض..

ستعود مصر.. سيأتي ذلك اليوم لا محال.. مصر لم تمت.. مصر حية.. باقية.. في قلوب مجاهديها القدماء.. في بسمة كل طفل يحمل حلماً.. وفي نبض كل من يأتي هذا اليوم عليه فيفرح.. ويعتصره الألم..

 

, , , , ,

6 تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: