Posts Tagged جبال

اليوم الخامس: عقلي وجسدي..

 

رأيته ولم أستطع أن أرفع عيني بعينه من جلّ تقديري له

لا أدري أأضحك أم أبكي على حالي في تلك الليالي التي تمر.. في معظم المخيمات التي بتنا فيها حتى الآن تقع خيمتنا على منحدر.. والليلة الماضية تحديداً كنا ننام على أرض أكثر انحداراً من ذي قبل. كلما غلبني النوم وجدت نفسي أنزلق نحو حافة الخيمة.. وكلما استيقظت نظرت إلى نورا فوجدت رأسها في وسط الخيمة تماماً، وتركت خلفها فراغاً كبيراً!

وضعت حقيبتي الكبيرة عند قدمي.. بهذه الطريقة قد أمنع نفسي من الانزلاق.. ولكنني كنت وحقيبتي وأشيائي.. كلنا نشغل فراغاً ضيقاً في آخر الخيمة..

كانت درجة الحرارة أشد انخفاضاً من أي مرة سبقت.. احتدّ سعالي وأشفقت على من حولي في باقي المخيم.. فالصوت ينتشر بسرعة هائلة في هذا المكان..

أما اليوم فقد كان أقصر مما سبقه.. تسلقنا لمدة ٣ ساعات فقط، ولكن الانحدار كان شديداً.. وكنت أتنفس بصوت واضح جداً حيث كان الجميع يلتفتون نحوي! لم أبالي.. لدي سعال! سأتنفس بأي طريقة تحلو لي!

توجهنا نحو المحطة الأخيرة قبل القمة.. مخيم بارافو، والذي يقع على حافة صخرية من الجبل تعلو حوالي ٤٨٠٠ متر فوق سطح البحر. كان المخيم مزدحماً جداً، وذلك لأن الحافة المخصصة له كانت صغيرة.. لا مكان قبلها أو بعدها.. وكانت تلك هي فرصتنا الأخيرة لأن نضع تكويننا الحجري فوق الجبل.. وتلك هي عادة لمتسلقي الجبال.. كلما وصلوا إلى ارتفاع معين كونوا جبلاً صغيراً من الحجارة تخليداً لذكرى وصولهم إلى المكان..

نظرت حولي لأجد المكان المناسب.. واستقرينا على مكان يعلونا قليلاً ولكنه منعزلاً والحركة فيه قليلة.. ربما هناك لن يتأثر جبلنا الصخري الصغير بأقدام المارين.. لا مارين هناك..

سرت نحو المكان على الرغم من الرياح الشديدة، غير مكترثة بنداء لبنى خلفي وهي تشكو من صعوبة المكان والبرد الشديد.. ذهبت ونظرت إليها بتشجيع فاتبعتني.. ولكن حين وصلت وقعت المفاجأة!

على تلك الحافة وضعنا جبلنا الصغير

فهمت الآن لم لا يوجد أحد في تلك البقعة على الرغم من ازدحام المخيم.. كانت تلك هي حافة المخيم بعينها.. كانت الأرض تنحدر انحداراً شديداً ولا نهاية تبدو.. كانت السحب والغيوم تخفي مساحة الفراغ الشاسعة التي كانت قطعاً تقع بعدها..

ترددت حينها.. كلما اقتربت إلى حافة مكان شديد الارتفاع شعرت بعدم اتزان.. أشعر وكأنني أنجذب نحو الهاوية.. وعادة أفضل أن أمسك بالحائط أو السور المتاح.. ولكن لا حائط ولا سور هنا! والارتفاع ليس ١٠ طوابق، بل هو آلاف الميترات!

هنا تذكرت نصيحة عمر سمرة وصديقتي نادية.. “حين لا تستطيعين فعل شئ ما فإن ذلك هو عجز في ذهنك فقط.. أنت تعجزين لأنك تظنين أنك تعجزين! يجب أن تصدقي بأنك تستطيعين.. حينها لن تعجزي!”

لقد رأيت رجلاً يصعد الجبل برجل واحدة، وهو معنا الآن في المخيم..

لقد رأيت امرأة مسنة يتجاوز عمرها السبعين وهي تضحك وتتسامر مع أصدقائها.. وهي في الخيمة المجاورة لي!

إنني أشعر بتحسن شديد على الرغم من الإعياء الذي أصابني في الأيام السابقة.. لقد وصلت إلى تلك المرحلة.. وقمة الجبل تقع الآن على بعد ليلة واحدة! فلم كل هذا التردد؟ هذا جبل! وهل هناك أجمل في الجبل من هيبة حوافه؟ أولا تطفي عليه حدة حوافه المزيد من الشموخ والغموض؟ أوليس هذا ما يشدني إليه؟

لا أدري كيف ترددت بداخلي جميع الأفكار في أقل من نصف دقيقة! تجاهلت مخاوفي وأكملت السير إلى البقعة التي اخترناها.. صرنا نلتقط الحجر.. الصغير منه والكبير.. حتى تكون جبلنا الصغير حاملاً معه وقع أقدامنا وخفقات قلوبنا وهمسات أذهاننا..

حان وقت النوم.. لن نبيت الليلة! سوف نبدأ التسلق نحو قمة كيليمنجارو في تمام الساعة ١٠:٤٥ دقيقة مساء.. وسوف يلينا باقي الفريق.. حتى نصل القمة عند بزوغ الفجر.. عليّ أن أصفي ذهني.. من كل شئ.. لا شئ يعنيني الآن.. أنا والجبل.. ودرجة الحرارة التي تصل إلى ١٥ درجة تحت الصفر..

كيليمنجارو.. يا من تسبح بحمد الله.. يا من تخشع وتتصدع لكلمات الله.. كن بي رفيقاً!

 

, , , , , , , , , , ,

2 تعليقان

اليوم الرابع: تعلّمت أن أطير..

 

فوق حائط برانكو.. تعلمت أن أطير

اليوم أشعر وكأنني إنسانة أخرى. قلبي يشرق كنور هذا الصباح الجميل.. شعرت بالدفء بين ذراعي الجبل على الرغم من الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة..

واليوم؟ اليوم تعلّمت الدرس جيداً. لا أتكبّر على ما يقدم لي من طعام. سآكله كمن لم تأكل من قبل. نظرت إلى النقانق ووضعت اثنين في صحني، ثم البيض، ثم اللحم، ثم الخبز… لا بأس من قليل من الطاعة إن كانت ستساعدني في البقاء على قيد الحياة.

بعد الإفطار شعرت بالطاقة تسري في جسدي.. انطلقت مع الفريق لتسلق حائط البرانكو. وهو حقاً حائط، يجب علينا تسلق الحجر الذي نلقاه بيدينا وأرجلنا حتى نصل إلى قمته، والتي تقع على ارتفاع ٤٦٠٠ متر، ثم نعود ونبيت في مخيم كارانجا على ارتفاع ٣٩٣٠ متر. كان هذا هو اليوم الثاني للتسلق التأهيلي.. حتى تعتاد أجسادنا وتتأقلم من الارتفاع الشاهق وقلة نسبة الأكسجين في الهواء.

ولكن بركة لم يسمح لي بأن أزيد من سرعتي فأتخطّاه. لقد كان يسير ببطء شديد وبخطوات قصيرة متعمداً حتى لا ننجرف بسرعتنا.  أصر على أن أبقى خلفه قائلاً: “جميل أن تشعري بالحيوية والنشاط الآن، ولكنك إن أسرعت ستشعرين بالإعياء بعد نصف ساعة فقط ولن تستطيعي الاستمرار.”

أطعته.. هذا يوم الطاعة.

ولم أندم. كنت أتلقى درساً كاملاً متخصصاً في فنون التحايل على صعوبة الطريق.. كيف أتسلق الحجر.. كيف أجد المكان المناسب لأمسك بالحجر فأرتفع، وأين أضع قدمي فأتكئ حتى أجتاز التحدي وأنتقل إلى الحجر الآخر.

وكلما ارتفعنا ازداد الحجر كبراً. وكأنني أتأهل تدريجياً من مرحلة إلى أخرى أكثر صعوبة..

وكأنني أسير على درب العمر.. فالحجر هو تلك التحديات التي نلقاها في حياتنا.. والتي تزداد صعوبتها كلما تقدم بنا العمر.. عند كل تحدّ يجب علينا التأني والتفكير ملياً قبل أن نجتازه.. علينا أن ندرس خطواتنا.. فنعرف أين تطأ أقدامنا.. وعلام نرتكز.. فإن كل خطوة قد تعني لنا إما أن نطير أو نسقط.. وقد أردت أن أطير..

كانت حماستي تملأني.. أعطيت كاميرتي لأحد زملائي كي يلتقط لي صورة وأنا أتسلق الحجر.. رفضت كل محاولات بركة في أن يساعدني إما بالإمساك بيدي أو بأخذ حقيبتي.. أردت أن أبدو خبيرة متمرسة في تلك الصورة!

واختار زميلي أكبر حجر وصلت إليه حتى تلك اللحظة فالتقط الصورة.. ولكنني سرعان ما انزلقت بعدها.. فقد شعرت فجأة بثقل حقيبتي.. وحين استشعرت الثقل فازت الحقيبة وجرتني إلى الخلف ففقدت اتزاني.. هنا جاء صوت بركة الحكيم وقد كاد أن ينفذ صبره: “لا أتعجب منك.. لقد فقدت تركيزك ولم يعد بخاطرك سوى تلك الصورة.. أصبح كل همك هو أن تبدين وكأنك خبيرة!”

ولكن بركة لم يفقد إيمانه بحماستي.. فقد استشعر حبي لتسلق الحجر.. فأراد أن يأخذني إلى طريق منفصل به حجر أكبر وأكثر صعوبة.. وصار يرشدني بدقة في كيفية اتخاذ خطواتي.. وكيف أتحسس الحجر لأجد المتكأ..

ونجحت.. وصلت إلى قمة الحائط.. وحدي.. وبحقيبتي الثقيلة.. ولم أشعر بأي نوع من الإعياء!

أكتب الآن والسعادة تغمرني.. ولكنني لا أشعر بأي رغبة في الطعام.. قيل لي أن ذلك طبيعي نتيجة الارتفاع الذي نمكث عليه.. وأن عليّ أن آكل على الرغم من أي شيء!

لم أعد أعرف إن كنت قد فقدت شهيتي نتيجة الارتفاع أم لأنني حقاً امتلأت! ولكنني سأستمر في تناول الطعام كلما قدّم لي.. فإن إبسون.. طبّاخنا الماهر.. لا يتوقف عن ترويعنا كلما رفضنا الطعام: “إن لم تأكلوا لن تصلوا إلى القمة. لا جبال لكم!”

رحماك ربي!

, , , , , , , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

اليوم الثالث: رأيت ضعفي..

 

قمة كيليمنجارو كما تبدو لي وأنا أكتب.. تصوير عمرو مرعي

اليوم كنت في عصر الجاهلية أسبح في الصحراء .. أطلب الغوث ولا أجد الدليل إلى النجاة!

هكذا شعرت معظم اليوم.. اليوم كان علينا أن نبدأ التسلق التأهيلي للمرتفعات… حيث كان علينا أن نصعد إلى ارتفاع شاهق يبلغ ٤٧٠٠ متر، نرتاح قليلاً ثم نعود ونبيت في مخيم بارانكو، والذي يقع على ارتفاع ٣٩٥٠ متر. ولدينا غداً تسلق مثيل.. الهدف هو أن نعرّض أجسامنا لارتفاعات جديدة حتى يبدأ تأقلمها على انخفاض نسبة الأكسجين فتتعزز قدرة تحملها في هذا الارتفاع..

اليوم انتقلنا في رحلتنا إلى إقليم صحراوي جديد.. فقد قلّت نسبة الزرع وانتشرت الصخور في كل مكان.. وكأنني على كوكب آخر لا يمت للغابة الغنّاء التي بدأنا رحلتنا فيها بأي صلة..

اليوم تعلّمت أن أحترم كل كلمة أسمعها من أي من يسبقني خبرة.. بل وأتّبعها بكل دقة وأنفذ كل شئ.. بدون أسئلة.. ولا داعي للاقتناع.. الطاعة العمياء أو الموت والفناء!

منذ اليوم الأول ترددت علينا إرشادات الفريق بأن أهم ما يجب علينا فعله اتقاءً للتأثير السلبي الذي يمكن أن يسببه الارتفاع هو أن نأكل ونشرب بصفة مستمرة.. وألا نبخل على أجسادنا بجميع العناصر الغذائية وبكمية وافرة.. فإن تسلق الجبل يمكنه أن يستنفذ طاقة الإنسان إلى أبعد مدى..

استيقظت نشطة وسعيدة وبدأ استعدادي اليومي للرحلة. دخلت خيمة الإفطار فوجدت نقانق.. بيض.. لحم!! قلت: “كيف لي أن أبدأ في التسلق وقد تناولت إفطار كهذا؟ مستحيل!” واكتفيت بقطعة خبز واحدة مع بعض العسل.. وكأنني أبدأ يوماً عادياً أقضيه داخل سيارتي وسط زحام القاهرة.. فلا أتركها إلا لأصعد بناية بالمصعد ثم أدخل فأجلس..

عادي يعني!

حرصاً مني على إسكات ضميري استمعت إلى إرشادات بركة بأن أتحرك ببطء.. وفعلت.. ولكن ذلك لم يكن كافياً، ومع تقدمنا في المسير نحو برج لافا، حيث الهدف، بدأت أشعر بضغط شديد حول رأسي تسرب إلى عيناي.. فسيطر علي شعور عجيب بأن عيناي ستنفجران!

نفس عميق… هذا ما علمتني نادية صديقتي وعمر منظم الرحلة… نفس عميق لاستيعاب المزيد من الأكسجين..

لحظة! لقد اختلف الشعور الآن! الآن صرت أشعر بدوران.. وصار النعاس يغلبني! كيف يغلبني النعاس وأنا أسير على قدمي وأحمل حقيبة لا يقل وزنها عن ١٠ كيلو والشمس تملأ المكان؟

الآن حان وقت المعركة مع العقل.. علي أن أسكت الوساوس والهواجس التي بدأت تهاجمني.. صار عقلي يلوح لي بعدم قدرتي على الاستمرار.. صار يخيفني من الارتفاع.. “أتظنين أنك نجوت من خطورة الارتفاعات؟ أي مرتفعات؟ الآن حان وقت المرفعات! والآن بدأ تأثيرها الفعلي عليك.. ماذا ستفعلين يا مسكينة؟” صرت أحاول أن أتجاهله وأنظر حولي في الصخور و أتنفس.. المزيد من النفس العميق.. هذا ليس تأثير المرتفعات.. هذه الشمس! نعم هي الشمس.. نحن الآن وقت الظهيرة وأشعة الشمس الحارقة تقترب كلما ارتفعنا..

زاد الإعياء فطلبت الراحة.. جاءني جوزيف وسألني بم أشعر.. قلت له أشعر بدوران ونعاس.. لا بد أن ذلك من تأثير الشمس..

“لا.. هذا تأثير الارتفاع.”

شكراً جوزيف.. ناصرت عقلي علي وأفشلت كل محاولاتي..

واكتمالاً للعنتي.. بحثت في الحقيبة ولم أجد أياً من مأكولات الطاقة التي كنت قد أحضرتها معي! نعم.. هذا هو اليوم الذي قررت فيه أن أكون “خفيفة”! آكل أكلاً خفيفاً وأختصر المتاع! تباً لي!

اكتفيت ببعض الماء وقطعة من الشوكولاتة ونهضت لاستكمال المسيرة..

استمر الدوران.. ثم بدأ يتحول تدريجياً إلى شعور عجيب وكأن رأسي يسبح في الهواء منفصلاً تماماً عن جسدي.. ثم بدأت أرى أناساً وأشخاصاً ليسوا موجودين! كنت أراهم يتحدثون ويضحكون.. ثم أعود وأستفيق فأجدني وحدي مع جوزيف وبركة.. هذا هو بوضوح إعياء الارتفاع..

في تلك اللحظة.. وكأن جسدي قد استلم زمام الأمور.. وجدت نفسي لم أعد قادرة على مقاومة النعاس.. قررت أن أسترق اللحظات التي لا يكون فيها جوزيف ملتفتاً لي وأغمض عيني وأحاول أن أنام وأنا أسير.. صار جسدي مرتخياً تماماً وبدأت أتصور نفسي مستلقيةً على فراشي في منزلي بالقاهرة.. نائمة في سبات عميق..

واشتد السعال.. ولم تثبت نظريتي أن جفاف الهواء سوف يخفف من وطأته.. بل صار صوتي يمتد أميالاً حتى سمعني أحد أفراد الفريق وعلّق عليه!

ثم أصبحت خطواتي أكثر صعوبة.. فصرت آتنفس بصعوبة أكثر وكان علي أن أقصر من خطواتي.. والتي كانت قصيرة في حد ذاتها!

في طريق العودة عاد الزرع وسيطر الضباب على المكان.. هذه أشجار إمبيشنز كيليمنجاري.. خاصة بجبل كيليمنجارو

عندما وصلت أخيراً إلى مخيم بارانكو توجهت فوراً إلى الخيمة.. أردت أن أكون مع نفسي.. ثم قلت لا.. علي أن أجتمع بالآخرين فأشاركهم الضحك والسمر.. تلك هي الطريقة الأمثل لمقاومة هواجس نفسي.. آخر ما أتمناه هو أن يتملكني الخوف أو أن يتملكني شعور بالضعف والعجز.. إن انتصر علي هذا الشعور انهزمت أمام نفسي.. ولا أعرف ماذا يمكن أن يعيد إلي عزيمتي..

حاولت أن أبدل ملابسي فنظرت إلى الحقيبة وفوجئت بأنني لم أعد أستطيع التعرف على الأشياء! بل وجدت أن يدي أضعف من أن تمسك بها!

تملكني البكاء لحظة مرور جوزيف للاطمئنان على حالتي.. لكنه حين اختبر نسبة الأكسجين في دمي ومعدل ضربات القلب وجد أن كل شئ مازال طبيعياً..

سألني “لماذا تبكين إذاً؟”

كنت أبكي لأن معركتي مع نفسي قد أرهقتني.. وأعيتني..

كم أنا ضعيفة! أم قوية؟ لا أدري.. لقد أراني الجبل ضعفي.. بل قذف به في وجهي.. انظري إلى حالك.. هذا هو الإنسان.. قد يأتيه يوماً فلا يجد القدرة على أن يخطو الخطوة الواحدة.. ولكنني أكملت! لقد استمرت هذه المعاناة اليوم لمدة عشر ساعات! أليست هذه قوة؟ ربما هي مجرد محاولة للاستمرار لا أكثر.. ترى ماذا سيحل بي الآن؟

أكتب الآن والساعة تقترب من الثانية ١٢ في منتصف الليل.. أجلس خارج الخيمة وأنظر إلى قمة كيليمنجارو.. ها هي تشرق أمامي ويعلوها الثلج.. وقد خفّ الضباب الذي كان يملأ المخيم.. النجوم تعلوني ولكنها قريبة.. قريبة جداً أكاد أمسكها بيدي!

وها هو الجبل بذراعيه يحتضن المخيم.. أشعر أنه يحتضنني ويربت على كتفي.. فقد رآني وأنا أوشك على الانهيار.. ولكن عشقي دفعني إلى أن أكمل.. وكأن دمي الآن صار يجري في عروقي مرة أخرى.. ولكنه يجري حاملاً معه لغة الجبل..

نعم.. لقد تعلمت لغة كيليمنجارو.. صارت تسري في دمي.. صرت والجبل واحداً.. يعرفني وأعرفه.. يحبني وأحبه..

 

, , , , , , , , , ,

3 تعليقات

والتقينا فوق السحاب..

جزء من قمة كيليمنجارو كما بدا لي عبر النافذة

كانت الرحلة إلى نيروبي طويلة، سرقت معظم ساعات الليل .. ولكن كان الحماس قد ملأنا جميعاً فلم نكترث إن نمنا أو لم ننم .. ظللنا نتحدث جميعاً .. ٢٦ شخص على متن الطائرة جميعهم يتحدثون، ويتحركون، ويمزحون حتى أشفقت على من كان يجلس بجانبي وزميلتي .. سمع قصة حياتي وحياتها .. كان لكل منا فرصة أن يتعرف على الآخر .. ويسمع منه ما الذي جاء به نحو الجبل .. ولماذا يتسلق الجبل .. وهل سبق له أن فعلها؟

وصلنا إلى مطار نيروبي قرب الفجر .. كان المطار نائماً! لم أعهد مطاراً نائما بحياتي من قبل.. لا يوجد أحد من الموظفين على مكتبه .. وأمامنا ساعات من الانتظار.. ولكن مع بزوغ الشمس بدأت الحياة تدب فيه مرة أخرى.. وكان علينا أن نقل الطائرة الصغيرة التي ستحملنا إلى أروشا التي تقع على بعد ساعتين من الجبل. كانت خطواتنا الأولى إلى القمة تحت دفء أشعة الشمس الذهبية التي بدأت تخترق الظلام.. مشينا نحو الطائرة .. ولم أكن أعلم وقتها أن أشعة الشمس الدافئة ستظل دليلي نحو الحياة .. وستظل تدب الأمل في عروقي طوال تلك الفترة .. فكانت وظلت الشمس هي إشارة قربي من الهدف.

كم صغيرة هي تلك الطائرة، هل ستكفينا بمتاعنا؟ كان لسان حالي يقول وأنا أصعد على السلم الصغير بحذاء الجبل الضخم.. فقد اضطررت لارتدائه حتى لا يحتل مساحة كبيرة في حقيبتي..

حاولت أن أجد لحقيبة الظهر التي كنت أحملها مكاناً في الجزء المخصص لها في الطائرة وفشلت. لقد كانت الحقيبة أكبر من المكان ذاته، ولم تنجح محاولات كل من تطوعوا لمساعدتي من المتسلقين..

نعم متسلقين..

ويحي! أين أنا من هؤلاء؟ انظري إليهم أيتها البطلة الجسورة! كل منهم يبدو وكأنه يتسلق كل جبل يأتيه، بل يسافر على قدميه من مكان لآخر!

الكل هنا ذاهب نحو كيليمنجارو.. الكل يرتدي أحذية الجبال الخاصة ويحمل متاعه الخاص.. ولكن الكل يضع متاعه في المكان المخصص له في الطائرة ويكفيه.. إلا أنا! حقيبتي تفضحني وتفصح للجميع بأن هذه هي أول مغامرة لي من هذا النوع.

ازددت ارتباكاً.. دائماً يجدني الارتباك أينما كنت .. وإن كنت على فراشي..

جلست ووضعت حقيبتي بجانبي.. خالفت قوانين الطيران الدولية.. ماذا عساي أن أفعل؟ الحقيبة تحمل أغراضي وكلها مهمة..

لم تفارق عيناي النافذة. كنت أتشوق للقائه لأول مرة، وإن كانت من فوق الطائرة.. ملأ السحاب المكان.. فصرنا نحلق فوق بحر من السحاب الكثيف.. كانت السحب وكأنها أمواج جامحة تجمدت لحظة ارتطامها..

وبدأت قمم الجبال تظهر من بين السحاب.. كانت أشبه بالرؤوس السوداء التي تخترق السحاب الأبيض. كلما ظهرت قمة جبل نظرت إليها بشغف وسألت نفسي هل يمكن أن يكون هو؟ ثم أعود وأراجع ذاكرتي.. لا.. كيليمنجارو ليس بهذا الانحدار.. قمته عريضة ومنبسطة ويعلوها الثلج.

ترددت كثيراً أن أسأل من كانوا حولي.. لم يكن أحد منهم بحالة التأهب التي كنت فيها.. الكل بدا عليه الإرهاق ومعظمهم فضلوا النوم على متابعة رؤوس الجبال من النافذة وكأنها أحداث مثيرة.. لا أحد علت وجهه تلك الابتسامة العريضة البلهاء التي علت وجهي طوال الوقت.

وظهرت قمة ضخمة سوداء.. هل يكون هو؟ لم أعد أتمالك نفسي. توجهت بابتسامتي تلك إلى أحد أفراد الطاقم وسألته.. قال لي: “كلا سيدتي.. سيظهر جبل كيليمنجارو في الجهة الأخرى.”

حتى تلك اللحظة لم أكن قد رأيت قمة أكبر منها.. وأعرف أن كيليمنجارو هو أعلى قمة في أفريقيا.. أعلى من هذه؟؟ وعليّ أن أتسلق لأصل إليها؟ أنا؟؟

وفجأة تحرك جميع من في الطائرة نحو الجهة الأخرى وصاروا يمحلقون بدهشة عبر النافذة وقد اتسعت أعينهم في ذهول.. الآن الكل فقد اتزانه الذي أصابني بالارتباك.. الآن الكل مرتبك.. لا أحد يصدق ما يرى..

نظرت بتردد.. وكأنني أردت أن أغمض عيني حتى أكون أمامه ثم أفتحهما فجأة لأراه وحده.. ولا يملأ نظري سواه..

لم أصدق ما رأيت.. لقد بدا جبلاً كاملاً شامخاً يطفو فوق السحاب.. تستحيل رؤيته عبر نافذة واحدة.. كتلة ممتدة هائلة سوداء متوجة بالثلج .. ويحيط به السحاب راكعاً تحت قدميه.. يدلل أطرافه بأمواجه البيضاء التي سرعان ما تعود وتخشع إلى مكانها تواضعاً لعلوّه..

اقشعرّ بدني.. وشعرت بنبضات قلبي تتباطأ.. وكأن الصمت الذي أصابني كان أشبه بالحالة البدنية.. لقد صمت جسدي بأكمله وأدرك صغره وضآلته.. وكأني حين نظرت إليه صرت أرى ضعفي بوضوح لم أعهده من قبل.. فلم يكن قد سبق لي أن واجهت تحد بدني وذهني مباشر متجسد أمامي بهذه الصورة الصارخة..

أحببته.. لقد امتزج خوفي بلهفة تشدني إليه .. لم أعد قادرة على أن أحيل نظري .. تسمّرت في مكاني ولم أعد أكترث بمن كانوا يجلسون عند نوافذ الطائرة الصغيرة التي كنت أمحلق عبرها وقد انفرج فوهي بلا عودة.. صرت أنظر إليه حتى مرت الطائرة واستحال النظر إليه..

عدت إلى مقعدي الفارغ. أغمضت عيني فرأيته.. كنت خائفة.. ولكنني ابتسمت وصرت أحدثه في مخيلتي..

هكذا سيكون حالي معك .. سأسعى نحوك بكل ما أوتيت.. حتى تستحيل أنت عني..

, , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

ساعات قليلة

 

 

أمتعتي المرتبكة

 

ساعات قليلة ويتحول الحلم إلى حقيقة.. هأنذا أرتب أمتعتي وأحاول الاختصار فيها بقدر المستطاع لأستعد للسفر.. هذه المرة سفري لن يكون إلى بلد آخر فقط، بل سأخرج من القضبان التي تحيطني .. تلك البنايات الشاهقة القبيحة التي جمعت تراب السنين وتلوث الهواء والعيش.. تلك السيارات المزعجة ذات البوق الذي لا يتوقف.. سأخرج من كل هذا.. بل سأخرج من نفسي.. وألقي بها في الغيب..

شهور طويلة وأنا أستعد لتلك اللحظة، وحين أتت لا أدري كيف أعيشها الآن دون شعور.. فقط أعيشها.. ربما لأنني لا أصدقها ..

ربما حين أجد نفسي أمامه سأصدق.. سأنظر إليه.. وسيراني.. وسيأخذني بين ذراعيه الشامختين.. سأعيش بين أحضانه لأيام وليال.. لا أفكر سوى فيه .. وسيحويني .. ويحيطني .. ويملأني ..

طال انتظاري وشوقي .. وتعلمت الصبر .. وتعلمت التضحية .. إلى أن جاء يوم الاختبار ..

ويحي! هل أعي ما أفعل؟ أحقاً أنا مستعدة لما ينتظرني؟ من أين لي بكل هذه الجرأة؟ من يصنع هذا الصنيع إلا كل مغامر؟ ومن أين لي بروح المغامرة تلك؟

وهل سيقبلني؟ هل سيسمح لي؟

دق الهاتف .. صديقتي ..

“هل أنت متأكدة مما تفعلين؟ هل هذا هو ما تريدين حقاً؟”

علا صوتي بالبهجة .. وتحدثت بثقة لم أعهدها من قبل. “لو تعلمين كم أريد ذلك!”

لقد أحببته دون أن أراه .. اكتفيت بالنظر إليه في الصور.. وبالاستماع عنه في كل فرصة أتتني .. أحببته وازددت شوقاً إليه دون أن ألقاه .. فماذا لو التقيته؟

منذ طفولتي وقد كان العشق في قلبي .. كلما رأيت أحدهم لا أستطيع الالتفات عنه. كنت أطيل النظر إليه وتملأني الرهبة .. وتتسمّر عيني تجاهه .. أخافه وأحبه ..

لم يخطر ببالي يوماً أنني ستتاح لي فرصة أن أخطو بقدماي فوق الجبال .. لا يحول بيني وبينها شيئاً .. لا تؤنبني أمي الملتاعة خوفاً عليّ، ولا يمسك بيدي أبي ويحملني فيحول بيني وبين ثراها ..

فقط نحن .. الجبل وأنا .. أخطو بقدمي عليه وأسمع صوت الرمال من تحتي .. وتناديني الطيور من أماكن بعيدة .. ولا أسمع حولي سوى الصمت .. والجبل!

ساعات قليلة وآترك وسادتي الناعمة وفراشي، أحزم أمتعتي وأتوجه إلى الطائرة التي تقلني إلى نيروبي، ومنها إلى أروشا بتانزانيا، حيث جبل كليمانجارو .. أعلى قمة في أفريقيا .. وأعلى جبل مستقل في العالم.

لا أعرف ماذا أتوقع في هذه المغامرة سوى ما حكي لي من حكايات من سبقوني نحو ذلك الجبل. لذا لم يكن أمامي سوى أن أكون مستعدة بقدر ما أستطيع من أدوات وملابس تلائم طبيعة النشاط وطبيعة البيئة والطقس في المكان. ويظل الغيب غيباً مجهولاً لن تكشف عنه سوى التجربة الفعلية. فتسلق الجبل هو تجربة تخص صاحبها.. لا يشاركه فيها أحد.. ما شعر به غيري قد لا أشعر به، وما قد ألاقيه من سهولة أو عناء قد لا يلاقيه غيري .. لذا لا أخفي كم كنت أشعر بالارتباك كلما فكرت في ذلك المجهول.

منذ عزمت تسلق جبل كليمنجارو جافاني النوم. كنت أسهر ليال طويلة أسأل نفسي لم كل هذا الحماس؟ هل أنا مستعدة؟ ماذا ينقصني؟ كيف أدبر أمري؟ كانت دقات قلبي تتسارع كلما تصورت نفسي وأنا أخطو ببطء شديد وحذر على ارتفاع آلاف الميترات.. وكأنني قد اكتشفت عشقاً قديماً بداخلي يرنو إلى النور.. وها قد وجد طريقه إليه.. وها قد حان وقت سلوك ذلك الطريق..

هناك ما يجذبني إلى تلك القمة ..

في صورته يبدو لي الجبل هادئ الطباع .. هو جبل شامخ ولكنه واسع يملأ الأرض من حوله .. لا يحتاج تسلقه سوى القدمين وعصا الاتكاء على الأرض. ولكن القمة تقع على ارتفاع ٥٨٩٥ متراً فوق سطح البحر.. وهو ارتفاع تحليق الطائرات. وللمرتفعات تأثير سلبي على الجسد حيث تقل نسبة الأكسجين في الهواء .. فيتعطل نشاط العضلات وقد تتأثر بعض أجهزة الجسم في عملها الطبيعي ..

ولكنني لا يسعني سوى الهواء .. والماء .. والسحاب .. لا أجد المتعة بقدر ما أجدها بين جبال سيناء .. بين جبال جنوب لبنان .. بين جبال الألب .. أو بين جبال الحجاز ..

لا يسعني سوى الجبال .. وسأذهب إلى كيليمنجارو .. وليسعني ..

 

, , , , , , , , , ,

3 تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: