Posts Tagged الجبال

اليوم الثاني: ربي وربك الله..

صرنا فوق السحاب

بدأت محاولات التأقلم مع الحياة فوق الجبل منذ المرحلة الأولى.. فقد أودعت حياتي وكل ما حملت معي من عادات عبر السنوات الطويلة في المنزل وتركتها كاملة خلفي.. وكأنني قد أحرمت وعزمت التوجه إلى بيت الله.. ولا أرى هنا فارقة.. فالحاج إلى ملكوت الله ليتأمل في خلقه كالحاج إلى بيته الحرام.. فالكون كله لله يصرفه كيف يشاء..

كان المخيم الأول هو مخيم ماتشامي، والذي يقع على ارتفاع ٣٠٠٠ متر. عند وصولنا إليه بدأ الفريق تحيته وتهنئته لنا على الوصول.. وملأت الأجواء رقصاتهم وأنشوداتهم التي لم نفهم منها سوى “كيليمنجارو”، “جامبو” وهي التحية، و”هاكونا ماتاتا” والتي تعني “لا بأس”، أو بلغة التحدث “ما فيش مشكلة.. كله تمام.”

وكان موعد تلبية نداء الطبيعة.. والذي ظل دائماً تحدياً في ذهني.. نظرت حولي لأجد مكاناً خالياً أو شجرة ما أختبئ خلفها فلم أجد.. توجهت إلى جوزيف، رئيس الفريق، فدلني على ما أسماه “الحمام المحمول.” ما أروع تلك المفاجأة! كانت لدينا خيم صغيرة زرقاء خاصة تنصب عند وصولنا إلى كل مخيم، وبها مقعد خاص متنقل.. حين رأيته شعرت وكأنني أميرة تنعم بكل وسائل الراحة المتنقلة..

ولكنني كنت أميرة بأظافر متسخة وقد ملأت جيوبها محارم اسودت من شدة التراب المترسب على وجهها وكفيها! فقد كانت أرض الجبل محملة بالطمي والأتربة التي تتصاعد في الهواء حول المخيم مع وقع كل قدم. فكنا نمشي وسط تلك الأتربة بل ونتنفسها.

وكما كان علينا أن نلبي نداء الطبيعة في تلك الخيم الصغيرة، كان علينا أيضا أن ننام في خيم صغيرة. كانت خيمتنا أنا وصديقتي نورا صغيرة يستحيل الوقوف فيها.. وكلما دنا الليل اشتدت البرودة.. وضعت كيس نومي بجانب كيسها على أن نضع أغراضنا حولنا فنستفيد من حرارة أجسادنا، ربما نبعث الدفء لبعضنا البعض.

ليلة موحشة..

قمة جبل ميرو تسبح فوق السحاب

كانت تلك هي أول ليلة لي فوق سطح الجبل.. داخل الخيمة المتواضعة.. وقد أحكمت غلق كيس النوم من جميع الجهات حتى لا تتسرب البرودة إلى الداخل. أغلقته حتى اختفى وجهي وأصبح من الصعب علي أن أعي ما تقوله لي نورا وهي تحدثني. وحين نامت هي قضيت ما لا يقل عن ساعة أو أكثر أحاول النوم وقد ازداد السعال كعادته في كل ليلة. وكلما اشتد السعال شرد ذهني فيما ينتظرني.. فقد كانت تلك هي أول ليلة وكانت شديدة البرودة، فكيف سيكون بنا الحال غداً وبعد غد حين نصعد إلى المخيمات الواقعة على مرتفعات أعلى؟

وماذا عن الارتفاع؟ من المعروف أن الارتفاع لا يبدأ بتأثيره السلبي على الجسد إلى ما فوق ٣٠٠٠ متر. ولكن ذلك لم يمنعني من أن أشعر بنبضات قلبي ترتفع.. وقد بدأ التنفس يصبح أكثر كثافة من الطبيعي، وكأنني ألهث ولكن بلطف..

وبينما كنت أتقلب مع أفكاري وهي ترتطم هنا وهناك غلبني النعاس.. ثم فجأة استيقظت على صراخ في الخيمة المجاورة..  كانت لبنى تتقيأ وتصرخ من شدة الألم وبدا صوتها وكأنها تختنق.. فزعت لمجرد التفكير بما قد يكون قد حدث لها.. هل يمكن أن يكون للارتفاع ذلك التأثير المفجع المفاجئ؟ هل ستعود لبنى ولن تكمل؟

زحفت خارج الخيمة (فلم يكن لي أن أهرع مسرعة وإن أردت لصعوبة المخرج والمدخل) وقد ارتديت ما استطعت من ملابس ظننت أنها تقيني من البرد الذي ينتظرني بالخارج. لم يكن هناك مجال أن أفعل شيئاً أكثر مما كان قد فعله غيري.. فقد اتضح أنها أصيبت بوعكة ناتجة عن طعام فاسد كانت قد تناولته بالفندق في الليلة الماضية.

حسناً.. ثبتت إذاً براءة الجبل.. ولكن الإرهاق الشديد والرعشة التي سرت في جسدي نتيجة البرد القارس ملآني بالرهبة والخوف.. أشفقت من الأيام المقبلة.. سبحانك ربي كم يبدو لي صعب هذا الجبل.. بل كم يبدو لي صعب كل شئ هنا.. هذه ليست نزهة وأبداً لن تكون.. علي أن أحترم هذا الجبل أكثر مما توقعت.. الآن صرت أستحضر خطورته حقاً.. وليس استحضارها كمجرد التفكير فيها..

انكمشت داخل كيس النوم وقد أعدت إحكام إغلاقه.. وظلت الرعشة في سائر جسدي لفترة لم أعيها.. ثم عاد الدفء ليتسرب إلي مرة أخرى ببطء شديد..

ثم بدأ ذهني يهدأ قليلاً.. لم الخوف؟ ألم تُذكر الجبال في القرآن؟ ألم يتجلى الله سبحانه وتعالى فوق الجبل؟ أوليس الجبل ليخشع.. بل ويتصدع من خشية الله إن نزل عليه القرآن؟

شعرت بالسكينة عند تذكر تلك الآيات.. أغمضت عيني وهمست.. ربي وربك الله..

ونهار مشرق..

مخيم شيرا.. يبلغ ارتفاعه ٣٨٠٠ متر

أجلس الآن على ارتفاع ٣٨٠٠ متر.. تحت شجرة جميلة في مخيم شيرا. أنظر أمامي فأرى بحراً من السحاب تخترقه قمة جبل ميرو.. فيبدو الجبل وكأنه يسبح بين أمواج بيضاء.. لا أملك الكلمات التي يمكن أن تصف الجمال الذي يحيطني من كل جانب..

كانت رحلة تسلقنا اليوم تخترق السحاب.. صرنا نسير بينه حتى أصبحنا الآن فوقه.. فصرت لا أرى تحتي سوى ذلك البحر الأبيض الذي أتوقع أن يلزمني حتى آخر الرحلة..

شعرت اليوم وكأن مجموعتنا تزداد صلابة وتعاون بين أفرادها.. هكذا تكون الحياة فوق الجبال أو في عمق الصحراء.. حين نحاط بملكوت الله وتنجرف همومنا على عتبة ذلك الملكوت.. فلا نفكر سوى في يومنا.. نهارنا.. وليلنا.. وخطواتنا البطيئة.. حينها نتساوى جميعاً في همومنا وأحزاننا.. لقد صرت أستشعر حلاوة تحقيق الهدف.. وأعي تماماً أنه سيستحيل إن لم يؤازر بعضنا البعض.. وكأن كل منا صار يعي تلك الحقيقة، سرنا معاً في خط واحد ونحن نتبادل الضحكات والأنشودات..

كنت أول المتسلقين في الخط الممدد.. كان أمامي المرشد، اسمه بركة.. كان لبركة أسلوب مميز في التسلق.. فكان يصر على الخطوات البطيئة والتروي عند كل خطوة.. ولكنني غلبني الحماس حين وجدت الجميع ينشد بصوت واحد.. أردت أن ألتقط تلك اللحظة بكاميرتي.. فكنت أسير خلف بركة وأنظر خلفي وأحاول التصوير.. حتى كدت أقع.. حينها حدثني بركة بحسم: “انتبهى! انظري هنا!”

رأيت حجر ضخم كان يتطلب مني أن أنسى كل شئ وأستخدم الأربع حتى أتخطى تلك العقبة.. وفعلت فتخطيتها..

حين أسير خلف بركة أشعر وكأنني أتلقى درساً في لغة الجبال.. فهو يعلمني كيف وأين أضع قدمي على الأرض الوعرة.. أين أمسك بيدي فوق الحجر لأرتفع فوقه.. والأهم هو التروي.. التروي في كل شئ.. وإن كنت أشعر بنشاط يسمح لي أن أتسع بخطواتي..

لا ليس التروي.. بل هو الصبر..

وهأنذا الآن أجني ثمار ذلك الدرس.. فإنني أشعر بنشاط فوق العادي.. تنفسي طبيعي جداً على الرغم من السعال الذي لا يتوقف.. ولكن إن كانت على يميني محارم كثيرة تفضح سعالي.. فعلى يساري طائران يتحاوران ويؤنسان جلستي.. وأمامي تغرب الشمس وكأنها تسقط بين السحاب..

فهل ينقصني شئ؟

, , , , , , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

اليوم الأول: رويداً.. رويداً..

 

كان علينا تسجيل أسمائنا وجنسياتنا فور الوصول عند مدخل ماتشامي

عند وصولنا في أروشا كان علينا أن نستمع إلى حديث أحد المنظمين للرحلة عن الجبل وعما يمكن أن نتوقعه خلال رحلتنا، من حيث طبيعة الجبل وطقسه، وأيضا من حيث الارتفاع وكيفية التعامل معه بحكمة لتجنب ما قد يسببه من أضرار. كان علينا تناول أقراص Diamox منذ الليلة الأولى وحتى بلوغ قمة الجبل، وهي أقراص عادة ما يتم تناولها عند تسلق الجبال حتى تقي الجسم من الأعراض التي قد تسببها الارتفاعات الشاهقة، والتي قد تؤدي إلى فشل المهمة وحتمية العودة دون تحقيق الهدف. كان علينا تناول تلك الأقراص منذ الليلة الأولى لأن مدخل الجبل، والذي يسمى ماتشامي، يقع وحده على ارتفاع ١٨٠٠ متر فوق سطح البحر.

غلبني الحماس وتناولت قرصا كاملا في الليل. ويا لها من ليلة. لا أعرف إن كان الدواء هو السبب، والذي أدى إلى زياراتي المتكررة للمرحاض، أم أن حماسي المفرط منعني من النوم. ظلت الأفكار تتقلب في رأسي.. أفكر فيما ينتظرني.. ثم تنتابني الوسوسة.. فعلى الرغم من العدد الهائل من التطعيمات التي تناولتها قبيل سفري، رفضت أن أتناول أقراص المالاريا، آثرت ألا أتناول سوى الDiamox حتى لا أصاب مرة أخرى بحساسية الجلد التي كادت تقتلني منذ شهرين. كذلك قيل لي أن الملاريا لا تشكل خطراً في تلك الرحلة تحديداً لأننا سنقضي معظم وقتنا على ارتفاع لا يتواجد فيه البعوض المسبب للمرض.

ولكن من أين لي بعقل سليم الساعة الثالثة صباحاً وأنا لا أنام؟ كانت تلك هي فرصتي الوحيدة للنوم والراحة على فراش قبل بدء المغامرة وها أنذا أقضيها بين وساوسي.. هل وضعت الدواء الواقي من البعوض جيداً؟ هل الشبكة الواقية التي تحيط بالسرير محكمة؟ لحظة! ما تلك البرودة؟ الشبكة! تأكدي من الشبكة!! ما هذه الزيارات المتكررة للمرحاض؟ من أين لي بمرحاض في ليالي الجبل الشديدة البرودة؟ ماذا فعلت بحالي؟ ماذا أحاول أن أثبت؟ ولمن؟؟

أضف إلى ذلك السعال الشديد الذي كان قد أصابني قبل سفري ببضع أيام.. كلما توترت أعصابي زاد السعال وأشفقت على صديقتي التي كانت تشاركني في الغرفة.

كدت أجن تلك الليلة لولا أن غلبني النوم أخيراً ولكن لمدة ساعتين فقط. حمدت الله عليهما على كل حال.. حقاً كدت أجن لولاهما..

على غير ما توقعت كنت أشعر بنشاط كبير صباح اليوم التالي.. توجهنا جميعاً إلى الحافلة التي ستنقلنا إلى مدخل ماتشامي.. والذي يقع على بعد ساعتين من أروشا.

كلما اقتربنا من الجبل زادني الحماس وتسارعت دقات قلبي.. هأنذا أقترب منك بجسدي.. الحافلة هي آخر ما لدي.. أتيتك بلا شئ سوى قدمين وروح ترنو إلى الحرية وقلب يخفق عشقاً وشوقاً إليك.. هل تقبلني؟

كان الجبل يتمنع عني.. فالسحب كثيفة جداً ومنخفضة فاستحالت علي رؤيته بوضوح.. ولكن كلما اقتربنا وانكشف جزء من السحب كنت أرى جزءاً منه.. سد منيع من الحجر الأسود.. أدركت أنه لولا السحاب لما رأيت سوى ذلك السد.. ولامتنعت عني السماء.. وكأنني حقاً أذوب بين ذراعيه..

وجاءت لحظة النزول إلى الأرض. من الآن فصاعداً لا توجد مركبات ولا حافلات.. أنا وقدمي حتى أصل إلى القمة إن استطعت.

هكذا بدا الطريق.. هكذا يستقبل كيليمنجارو ضيوفه

كان مدخل ماتشامي هو بداية طريق ماتشامي، وهو أحد ٦ طرق يمكن أن يسلكها المتسلق نحو القمة. تتراوح من حيث طولها وصعوبتها.. ويعتبر طريق ماتشامي هو الأكثر جاذبية لدى معظم المتسلقين لأن مزاياه عديدة. فهو طويل بالمقارنة بغيره، مما يتيح الفرصة لتأقلم الجسد على الارتفاع الشاهق، كما أنه من أجمل الطرق من حيث الطبيعة الخلابة التي تملأ الجبل في كل مستوى يمكن الوصول إليه.. من أشجار نادرة لا ترى في أي بقعة في العالم سوى فوق كيليمنجارو، إلى جداول المياة التي يعطي خريرها راحة وطمأنينة يكون المتسلق في أمس الحاجة إليها.. وعلى الرغم من ذلك فقد صنف ذلك الطريق على أنه يتراوح بين متوسط إلى صعب من حيث كثافة الأرض وطبيعتها.. وهو أمر مهم لأي متسلق لأنه يؤشر إلى راحة القدمين من عدمها.. والقدمين هما رأس مال المتسلق الوحيد فوق الجبل.

كم كان جميلاً استقبال كيليمنجارو.. وجدتني أمشي في طريق بسيط وممهد وسط غابة من الأشجار وتغريد الطيور.. كنا نصعد في ذلك الطريق على انحدار بسيط متوجهين إلى المعسكر الأول على ارتفاع ٣٠٠٠ متر. كانت مجموعتنا تتكون من ٢٦ متسلق برئاسة عمر سمرة، وهو أول مصري وأصغر عربي يبلغ قمة جبل إيفرست. رفقنا في تلك الرحلة ٢٠ مرشد للجبل وما يقرب من ٨٠ مساعد لحمل الطعام والخيم والأثاث البسيط.

كنا جيشاً كاملاً يتحرك فوق الجبل.. وكان الهدف من كثرة عدد المرشدين هو ألا يظل أي من المتسلقين وحده فوق الجبل لأي ظرف. فمن المعروف أن سرعة المتسلقين تختلف وتتراوح.. والبعض قد يشعر بالتعب إن غيّر سرعته ليلحق بغيره أو ليتباطأ انتظاراً لغيره. فكان الهدف هو أن يسير الجميع بسرعتهم التي يرتاحون إليها وحتى لا يحرم أحد من متعة التجربة.

كان فريق العمل في غاية اللطف. ظلوا يترددون علينا ويعرفوننا بأسمائهم.. بل كان الجميع فوق الجبل، سواء كانوا من فريقنا أم من غيره، يرحبون بنا بابتسامة لطيفة ويحدثوننا بلغتهم: كاريبو تانزانيا .. مرحباً بكم في تانزانيا!

ثم الكلمة المعهودة التي أصبحت أشبه بالقانون المتعارف عليه بين متسلقي كيليمنجارو: بولي بولي.. رويداً رويداً.. فهو القانون الأول الذي يجب على الجميع اتباعه إن أرادوا أن يبلغوا القمة. فلن يفلح من يحاول أن يستعرض قدراته ويسرع بخطاه.. ولن يفلح من ظن أنه في تحد مع الجبل.. فالتحدي الوحيد هو للذات.. والبطولة الوحيدة هي بطولة الصبر والتجلد..

كانت تلك هي لغة كيليمنجارو.. وكان علي أن أتعلمها..

 

, , , , , , , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: