Posts Tagged ارتفاع

اليوم الأول: رويداً.. رويداً..

 

كان علينا تسجيل أسمائنا وجنسياتنا فور الوصول عند مدخل ماتشامي

عند وصولنا في أروشا كان علينا أن نستمع إلى حديث أحد المنظمين للرحلة عن الجبل وعما يمكن أن نتوقعه خلال رحلتنا، من حيث طبيعة الجبل وطقسه، وأيضا من حيث الارتفاع وكيفية التعامل معه بحكمة لتجنب ما قد يسببه من أضرار. كان علينا تناول أقراص Diamox منذ الليلة الأولى وحتى بلوغ قمة الجبل، وهي أقراص عادة ما يتم تناولها عند تسلق الجبال حتى تقي الجسم من الأعراض التي قد تسببها الارتفاعات الشاهقة، والتي قد تؤدي إلى فشل المهمة وحتمية العودة دون تحقيق الهدف. كان علينا تناول تلك الأقراص منذ الليلة الأولى لأن مدخل الجبل، والذي يسمى ماتشامي، يقع وحده على ارتفاع ١٨٠٠ متر فوق سطح البحر.

غلبني الحماس وتناولت قرصا كاملا في الليل. ويا لها من ليلة. لا أعرف إن كان الدواء هو السبب، والذي أدى إلى زياراتي المتكررة للمرحاض، أم أن حماسي المفرط منعني من النوم. ظلت الأفكار تتقلب في رأسي.. أفكر فيما ينتظرني.. ثم تنتابني الوسوسة.. فعلى الرغم من العدد الهائل من التطعيمات التي تناولتها قبيل سفري، رفضت أن أتناول أقراص المالاريا، آثرت ألا أتناول سوى الDiamox حتى لا أصاب مرة أخرى بحساسية الجلد التي كادت تقتلني منذ شهرين. كذلك قيل لي أن الملاريا لا تشكل خطراً في تلك الرحلة تحديداً لأننا سنقضي معظم وقتنا على ارتفاع لا يتواجد فيه البعوض المسبب للمرض.

ولكن من أين لي بعقل سليم الساعة الثالثة صباحاً وأنا لا أنام؟ كانت تلك هي فرصتي الوحيدة للنوم والراحة على فراش قبل بدء المغامرة وها أنذا أقضيها بين وساوسي.. هل وضعت الدواء الواقي من البعوض جيداً؟ هل الشبكة الواقية التي تحيط بالسرير محكمة؟ لحظة! ما تلك البرودة؟ الشبكة! تأكدي من الشبكة!! ما هذه الزيارات المتكررة للمرحاض؟ من أين لي بمرحاض في ليالي الجبل الشديدة البرودة؟ ماذا فعلت بحالي؟ ماذا أحاول أن أثبت؟ ولمن؟؟

أضف إلى ذلك السعال الشديد الذي كان قد أصابني قبل سفري ببضع أيام.. كلما توترت أعصابي زاد السعال وأشفقت على صديقتي التي كانت تشاركني في الغرفة.

كدت أجن تلك الليلة لولا أن غلبني النوم أخيراً ولكن لمدة ساعتين فقط. حمدت الله عليهما على كل حال.. حقاً كدت أجن لولاهما..

على غير ما توقعت كنت أشعر بنشاط كبير صباح اليوم التالي.. توجهنا جميعاً إلى الحافلة التي ستنقلنا إلى مدخل ماتشامي.. والذي يقع على بعد ساعتين من أروشا.

كلما اقتربنا من الجبل زادني الحماس وتسارعت دقات قلبي.. هأنذا أقترب منك بجسدي.. الحافلة هي آخر ما لدي.. أتيتك بلا شئ سوى قدمين وروح ترنو إلى الحرية وقلب يخفق عشقاً وشوقاً إليك.. هل تقبلني؟

كان الجبل يتمنع عني.. فالسحب كثيفة جداً ومنخفضة فاستحالت علي رؤيته بوضوح.. ولكن كلما اقتربنا وانكشف جزء من السحب كنت أرى جزءاً منه.. سد منيع من الحجر الأسود.. أدركت أنه لولا السحاب لما رأيت سوى ذلك السد.. ولامتنعت عني السماء.. وكأنني حقاً أذوب بين ذراعيه..

وجاءت لحظة النزول إلى الأرض. من الآن فصاعداً لا توجد مركبات ولا حافلات.. أنا وقدمي حتى أصل إلى القمة إن استطعت.

هكذا بدا الطريق.. هكذا يستقبل كيليمنجارو ضيوفه

كان مدخل ماتشامي هو بداية طريق ماتشامي، وهو أحد ٦ طرق يمكن أن يسلكها المتسلق نحو القمة. تتراوح من حيث طولها وصعوبتها.. ويعتبر طريق ماتشامي هو الأكثر جاذبية لدى معظم المتسلقين لأن مزاياه عديدة. فهو طويل بالمقارنة بغيره، مما يتيح الفرصة لتأقلم الجسد على الارتفاع الشاهق، كما أنه من أجمل الطرق من حيث الطبيعة الخلابة التي تملأ الجبل في كل مستوى يمكن الوصول إليه.. من أشجار نادرة لا ترى في أي بقعة في العالم سوى فوق كيليمنجارو، إلى جداول المياة التي يعطي خريرها راحة وطمأنينة يكون المتسلق في أمس الحاجة إليها.. وعلى الرغم من ذلك فقد صنف ذلك الطريق على أنه يتراوح بين متوسط إلى صعب من حيث كثافة الأرض وطبيعتها.. وهو أمر مهم لأي متسلق لأنه يؤشر إلى راحة القدمين من عدمها.. والقدمين هما رأس مال المتسلق الوحيد فوق الجبل.

كم كان جميلاً استقبال كيليمنجارو.. وجدتني أمشي في طريق بسيط وممهد وسط غابة من الأشجار وتغريد الطيور.. كنا نصعد في ذلك الطريق على انحدار بسيط متوجهين إلى المعسكر الأول على ارتفاع ٣٠٠٠ متر. كانت مجموعتنا تتكون من ٢٦ متسلق برئاسة عمر سمرة، وهو أول مصري وأصغر عربي يبلغ قمة جبل إيفرست. رفقنا في تلك الرحلة ٢٠ مرشد للجبل وما يقرب من ٨٠ مساعد لحمل الطعام والخيم والأثاث البسيط.

كنا جيشاً كاملاً يتحرك فوق الجبل.. وكان الهدف من كثرة عدد المرشدين هو ألا يظل أي من المتسلقين وحده فوق الجبل لأي ظرف. فمن المعروف أن سرعة المتسلقين تختلف وتتراوح.. والبعض قد يشعر بالتعب إن غيّر سرعته ليلحق بغيره أو ليتباطأ انتظاراً لغيره. فكان الهدف هو أن يسير الجميع بسرعتهم التي يرتاحون إليها وحتى لا يحرم أحد من متعة التجربة.

كان فريق العمل في غاية اللطف. ظلوا يترددون علينا ويعرفوننا بأسمائهم.. بل كان الجميع فوق الجبل، سواء كانوا من فريقنا أم من غيره، يرحبون بنا بابتسامة لطيفة ويحدثوننا بلغتهم: كاريبو تانزانيا .. مرحباً بكم في تانزانيا!

ثم الكلمة المعهودة التي أصبحت أشبه بالقانون المتعارف عليه بين متسلقي كيليمنجارو: بولي بولي.. رويداً رويداً.. فهو القانون الأول الذي يجب على الجميع اتباعه إن أرادوا أن يبلغوا القمة. فلن يفلح من يحاول أن يستعرض قدراته ويسرع بخطاه.. ولن يفلح من ظن أنه في تحد مع الجبل.. فالتحدي الوحيد هو للذات.. والبطولة الوحيدة هي بطولة الصبر والتجلد..

كانت تلك هي لغة كيليمنجارو.. وكان علي أن أتعلمها..

 

, , , , , , , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: