Archive for category مقابلات لا أنساها

دقائق معدودة مع السيد محمد حسين فضل الله

السيد محمد حسين فضل الله

أروى محمود

ما أجمل أن تعود بي الذكريات للحظات لا أنساها.. لا أنسى لحظة ردي على المكالمة الهاتفية التي تؤكد موعد المقابلة مع آية الله السيد محمد حسين فضل الله، وذلك على الرغم من ازدحام يومه وكثرة مواعيده.. انتابني الارتباك.. ليس لدي ما يتسع من الوقت لسؤاله عن كل ما يجري ببالي وبخاطري.. وليس لدي الوقت لأصيغ الأسئلة بدقة.. أي دقة وقد أتيحت لي فجأة فرصة التحدث إلى صوت الوحدة والنظرة الثاقبة التي طالما اخترقت علّة هذه الأمة وشخصت أمراضها.. ذلك الصوت الذي يبعث الأمل دائما في نفس كل من سمعه.. فرصة قد تكون الوحيدة في العمر.. كيف لي أن أستلهم من كلماته ومن نظراته ومن إشارات يده حكمة عمر عميقة أحتاجها في دربي الشائك؟ وفي دقائق معدودة؟ صرت أسترق النظر وأنا أدون ما يقول إلى إيماءاته.. وإشاراته.. وقد أطفت عليه وعكة صحية كان يمر بها عمقا وصبرا.. وعلى الرغم من جلّ تقديري للقلم وللكلمة المكتوبة، فإن سماع نبرة صوته مع خروج المعاني ساق كل حرف مباشرة إلى قلبي..

(نشرت هذه المقابلة في موقع إسلام أون لاين عام ٢٠٠٧)

ثمة تداخل لا يخفى بين المحلي والإقليمي والدولي فيما يخص الشأن اللبناني، وفي هذا السياق يرى البعض أن ظاهرة “فتح الإسلام” ليست لبنانية خالصة.. هل تعتقدون بوجود أطراف خارجية تحرك الفوضى في لبنان، ومن هو الطرف أو الأطراف الخفية التي ربما لها شأن بما يحدث؟

– عندما ندرس المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط، فإننا نجد أن الإدارة الأمريكية الحالية تتحرك من أجل السيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها الاقتصادية ومواقعها الإستراتيجية.

وعند تتبع ودراسة ما تتحدث به هذه الإدارة أو ما يصدر عنها. نجد أنها تختزل مشاريع تعبر عن دولة “الإمبراطورية” التي تحكم العالم، وتريد أن تتحرك لتطوق كل المشاريع وكل الخطوط التي قد لا تلتقي بسياستها، سواء بطريقة العنف السياسي أو العنف الأمني أو العنف الاقتصادي.

ولذا عندما ندرس الواقع الموجود في المنطقة نلاحظ أن تنظيم القاعدة وما قد يتفرع عنه من خطوط أو خيوط تختلف أسماؤها يتحرك من خلال حركة الصراع الموجودة، والتي تعتمد الفوضى الأمنية التي عبرت عنها الإدارة الأمريكية بأنها الفوضى الخلاقة أو الفوضى البناءة.

ونعرف أنه لم يكن للقاعدة وجود بالعراق قبل الانقلاب على النظام الطاغي السابق، لكن العراق تحول إلى أن يكون قاعدة لكل الخطوط التكفيرية التي انطلقت من خلال أكثر من فكر سلفي حاد يختزن في داخل شخصيته تكفير بعض المسلمين واستحلال دمائهم وما إلى ذلك.

وما نلاحظه في لبنان هو أن هناك أكثر من جهة سواء كانت إقليمية أو دولية أو محلية تحاول خلط الأوراق بالطريقة التي يمكن من خلالها إيجاد بعض المناخات المناسبة للمشاريع الأمريكية في المنطقة.

كيف يمكن أن تؤثر الأحداث الجارية على العلاقة بين السنة والشيعة في لبنان، وخاصة في ضوء الخلافات السياسية التي يعيشها البلد؟

– أنا لا أعتقد أن هذه الأحداث يمكن أن تترك أي تأثير في مسألة العلاقات بين السنة والشيعة؛ لأنها لا تتمحور حول الصراع المذهبي. كما أن الصراع السياسي القائم منذ فترة بين المعارضة وفريق السلطة أو فريق الأكثرية لم ينطلق خصوصيات مذهبية، فالمعارضة تحتضن كل الطوائف، والموالاة تحتضن كل الطوائف أيضا.

وقد حاولت بعض الشخصيات اللبنانية أن تثير المسألة المذهبية على خلفية الزعامة الطائفية أو المذهبية وما إلى ذلك، لأجل تغذية المناخ الذي تحاول أمريكا أن تثيره في المنطقة وإشعال الفتنة بين السنة والشيعة. لكننا نعتقد أن هؤلاء لم ينجحوا في إثارة المسألة المذهبية في لبنان بالطريقة التي يمكن أن تشكل خطرًا على العلاقات المذهبية بين السنة والشيعة.

وبالنسبة لأحداث الشمال، فإنها لم تنطلق من وضع شيعي يواجه وضعا سنيا أو بالعكس، بل إذا أردنا أن نتحدث عن بعض المصطلحات، نرى أن المسألة قد تكون سنية-سنية، أو أنها قضية السلطة وقضية الخارجين عن القانون في مواجهة السلطة.

كيف تقرؤون موقف السيد حسن نصر الله من مواجهات الشمال حين قال إن اقتحام المخيم يعتبر خطا أحمر؟

– أعتقد أن الرجل كان عاقلا في ما طرحه من أفكار. وكان يحاول أن يدرس المسألة دراسة واقعية حسب الظروف المحيطة بالمشكلة في هذا المجال. وإن كان البعض قد علق على تصريحاته. لكنه حينما ذكر أن اقتحام المخيم خط أخمر، فهو كان يقصد المدنيين وتحييدهم، ولا يقصد أبدا أن يساوي بين الجيش وبين فريق أو تنظيم يقف ضده أو قام ببعض الأعمال السلبية ضده.

قلتم في إحدى المحاضرات إن هم وحدة الأمة هو هم إنساني بالدرجة الأولى، فالوحدة لا تتحقق إلا إذا اتسق الإنسان مع ذاته وأحسن التعامل مع اختلافاته الداخلية وصراعاته. ما هي أطروحتكم العملية للوصول إلى هذا النموذج وتربية الأجيال عليه؟

نحن نعتقد أن قضية الإسلام في العالم وامتداداته في الواقع الإسلامي على مستوى الأمة يفرض على كل المواقع المختلفة أن تلتقي، وأن تبدأ حوارًا موضوعيًّا عقلانيًّا وإنسانيًّا حول ما يختلف فيه المسلمون، على هدى قوله تعالى: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول…”؛ لأننا عندما ندرس ما اختلف فيه المسلمون، فإننا نرى أن العنوان الكبير الذي يحكم هذا الخلاف في البداية هو قصية الإمامة والخلافة.

ونحن عندما ندرس تلك المرحلة التي اختلف فيها المسلمون في هذا المجال نجد أن الإمام علي بن أبى طالب عليه السلام ـ الشخصية التي يؤمن الكثير من المسلمين أنه هو الأحق بالإمامة والخلافة ـ (والكلام لمحمد حسين فضل الله)، قد عالج المسألة معالجة إسلامية مسئولة تحفظ الإسلام والمسلمين، وهذا ما لاحظناه في علاقته بالخلفاء الذين تقدموه وفي إعطائهم النصيحة والمشورة والمحبة والانفتاح، حتى أنه كان يعطي الرأي الذي يحفظ على بعضهم حياتهم. وفي كلمة أخرى له قال: “لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصة”.

وعندما سمع قومًا من جيشه عندما كان سائرًا إلى الشام، قال: “إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكن لو وصفتم أفعالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، ربنا احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهل ويرعن عن الغي والعدوان من لهج به”.

إننا نعتقد أن عليًّا هو رائد الوحدة الإسلامية، وهو الذي يجسد هذه الوحدة التي تنفتح على الآخر بالرغم من وجود عناصر الخلاف في القضايا الحيوية فيما يختلف فيه المسلمون هنا وهناك.

ولذلك فإننا نعتقد أن على المسلمين أن يستهدوا هذا النهج وهذا الطريق وأن يعملوا على أساس أن يلتقوا على الكلمة السواء. فإن الله أراد أن نلتقي نحن وأهل الكتاب على الكلمة السواء وكم بيننا وبين أهل الكتاب من فروق العقيدة في كثير من القضايا الأساسية، ولكن الله يريدنا أن نبحث عن مواقع اللقاء قبل أن نبحث مواقع الخلاف، وهذا ما ندعو إليه المسلمين لا سيما في الظروف الحاضرة التي برز فيها الكفر كله والاستكبار كله على الإسلام كله.

ونعتقد أن المرحلة لا تحتمل أي نوع من أنواع إثارة الحساسيات والعصبيات وإثارة المفردات التي تثير المسلمين هنا وهناك؛ ولذلك أطلقنا فتوانا في الواقع الإسلامي بأنه يحرم على كل مسلم ومسلمة سب الصحابة والإساءة إليهم والإساءة إلى أمهات المؤمنين، بل علينا أن نحترم الصحابة كلهم وإن كنا نختلف مع بعضهم في بعض الخطوط أو في بعض المفردات.

أما بالنسبة لتربية الأجيال، فعلينا أن ندرس المسألة في دائرتين:

الدائرة الأولى هي الدائرة الثقافية، سواء في دراسة التاريخ وما حدث فيه حتى نستطيع أن نصحح الكثير مما يمكن أن يكون قد دخل في هذا التاريخ من الروايات، ومن الأحاديث التي قد لا تكون حقيقة، بل أريد لها أن تثير الواقع الإسلامي من خلال إثارة الأحقاد والعصبيات.

الدائرة الثانية هي الدائرة السياسية: نحن نرى أن المسلمين يواجهون التحدي الكبير الذي يوجه إليهم من خلال الإدارة الأمريكية التي تعمل، كما قال بعض المسئولين العرب الكبار، على تدمير الإسلام.

ويعرف الجميع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي كيف أن الحلف الأطلسي عندما اجتمع ليبحث من هو العدو الجديد الذي لا بد أن يحاربه فكانت رئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر تقول إن العدو الجديد هو الإسلام الذي هو خطر على المصالح الغربية، وهكذا وافقها أمين عام الحلف في هذا المجال.

إننا نلاحظ أن هناك عملاً غربيًا متنوعًا من أجل محاربة الإسلام على مستوى ثقافي وسياسي واقتصادي وأمني، ولذلك فإن علينا أن نجمد الكثير من الخلافات التي مارسها المسلمون على مدى مئات السنين ولم يصلوا فيها إلى نتيجة حاسمة.. إن علينا أن نعرف أن هناك خطرًا يتناول الأمة الإسلامية في اقتصادها وسياستها وأمنها، وأن على الأجيال المسلمة أن تعي ذلك كله. وحتى نستطيع أن نحفظ وجودنا ومقدراتنا ومواقعنا ونخطط لمستقبلنا، فلا بد أن نعمل في الموقع القيادي في العالم في كل القضايا، ثم بعد ذلك يمكننا أن نتناقش في الخلافة أو في الإمامة أو في طريقة الصلاة أو طريقة الوضوء وما إلى ذلك.

, , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

مع العميد أمين حطيط حول قتال حرب تموز 2006

أروى محمود

كان عام ٢٠٠٧ هو عام لبنان بامتياز.. تشرفت بلقاءات عدة مع عدد من الشخصيات البارزة.. هذا الحوار أجريته مع العميد الركن المتقاعد أمين حطيط حول حرب تموز والأبعاد الاستراتيجية للقتال.. وذلك بمناسبة مرور عام على الحرب.. أجريت المقابلة في منزله.. ولي أن أعترف بأنني سلبت من مهنيتي حين وجدت نفسي أصمت وأتركه يسترسل في الحديث، فقد كان حديثه ممتعا ومفيدا، استمرت المقابلة لمدة ساعتين وتمنيت ألا تنتهي.

(نشرت على موقع إسلام أون لاين في أول ذكرى لحرب تموز عام ٢٠٠٧)

قبل عام واحد (13/7/2006م) اندلعت الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، وانتهت، في حين ازدادت حدّة الأزمة اللبنانية، دون أن تظهر معالم حلّ “لا غالب ولا مغلوب” الذي تتحدّث عنه جميع الأطراف، ولا يغيب في ذلك عنصر ما صنعته الحرب نفسها داخليا، وكان الجدال أثناءها وبعدها محتدما، شديد السخونة، كسخونة الحرب نفسها؛ فهل يمكن بعد عام على اندلاعها أن تتضح الرؤية من جديد، لا سيما وأنّ الإسرائيليين أقرّوا بهزيمتهم واتخذوا ما اتخذوا من إجراءات داخلية تأكيدا لذلك؟.

العميد الركن د. أمين حطيط من أبرز الخبراء العسكريين في لبنان، كان قد مرّ عامان على تقاعده عندما اندلعت الحرب، ولكنّه بقي دوما في صدارة الحدث، من خلال أكثر من مؤلّف أصدره، ومن خلال كتاباته وحواراته الإعلامية العديدة، لا سيّما حول الحرب نفسها التي انفرد بالتأكيد منذ أيامها الأولى بأنّها ستكون عدوانا جويا ثم حربا أرضية، ثم تنتهي بهزيمة إسرائيلية، خلال أسابيع وليس خلال أشهر.

تعليل سخيف للحرب

آنذاك كان لموفد “إسلام أون لاين.نت” في لبنان لقاء معه، وقبيل مرور العام الأوّل على الحرب، تكرّر اللقاء معه، وأجرته الزميلة أروى صلاح الدين محمود، للحديث مجددا عن الحرب وحصيلتها، ومع بداية اللقاء يتجدّد أيضا السؤال عن بداية الحرب، هل كانت فعلا بهدف تحرير الجنديين الأسيرين الإسرائيليين، كما قيل آنذاك، والمعروف أنّهما لا يزالان في الأسر إلى الآن. يقول العميد حطيط:

– بالنسبة لحرب تموز (يوليو)، هي لم تكن ردة فعل على أَسْر، ولم تكن ردة فعل مقررة من سنة أو من سنتين. القرار بحرب على لبنان متخذ من أيار (مايو) 2000. وهنا أخص موقعكم بهذا الحديث الذي لم أذكره لأحد، وكنت رئيسا للجنة التحقّق من الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، وعندما كنا نصارع على السنتيمتر وعلى المتر وعلى المترين، في أحد المواقع، وبعد حدّة من الجدل، تقدّم مني ضابط من قوات الطوارئ الدولية الذي كان في اللجنة وقال لي “ما الذي سيغير بالنسبة لكم تقدم متر أو مترين طالما أنها لن تُستعمل لا في الزراعة ولا يوجد بترول؟” قلت: “هذه أرضنا أولا.. ولكن لماذا لا توجّه هذا السؤال إلى العدو الإسرائيلي؟” قال “سألتهم وأجابوا إننا بحاجة لهذين المترين؛ لأن علينا أن ننتقم فيما بعد”.

القرار بحرب ضد لبنان بعد الانسحاب كان قرارا إسرائيليا نهائيا، وكان ينتظر أمرين:

التحضير والظروف المكانية والزمانية. والذي يؤكد هذا القول أن لجنة فينوجراد، عندما حققت، لم تبدأ في التحقيق بتاريخ أسر الجنديين لترى كيف كان الأداء، بل انطلقت بتاريخ بداية التحقيق من 25 أيار عام 2000، وحاسبت الحكومات ورؤساء الأركان منذ ذاك التاريخ. حاسبت كل من قصّر في التحضير للحرب، وهذا الذي صدر في القسم الأول من التقرير. أما بالنسبة لإدارة الحرب ونتائجها، لم يصدر التقرير به حتى الآن لمنتصف شهر تموز (يوليو). وبالتالي، لجنة فينوجراد قطعت بشكل لا يقبل الالتباس ولا الشك ولا الجدل، قطعت بأن الحرب مقررة على لبنان كمبدأ منذ العام 2000.

أما الحرب كحصر في الزمن، قررت على لبنان بقرار أمريكي وبعد نهاية العام 2005، ونحن -اللبنانيين- نذكر تماما ما قاله رئيس الحكومة فؤاد السنيورة لوزيرة خارجية أمريكا رايس في منتصف كانون الأول (ديسمبر) عندما جاءت إليه تعاتبه لماذا لم ينفذ وعده بنزع سلاح حزب الله. فقال لم نستطع. ثم سمح لنفسه بشيءٍ مقيت أمام الإعلام، فقال “نشكر صبرك علينا”، والكل يعلم، وذلك لأنها قبلت عذره بأنه لم يستطع أن ينفذ المهمة بنزع سلاح حزب الله. وعندما اعتذر وقال إننا لن نستطيع أن ننزع السلاح كان العمل على خطين، خط داخلي للإلهاء، وهذا ما سمي الحوار، وهذا رأيي في الحوار ومنذ أن انطلق الحوار كان رأينا فيه أنه حوار للقبض على قائد المقاومة على طاولة المفاوضات وإلزامه بالاعتراف بوجوب التجريد من السلاح. ولكن لأنه استطاع بحجته المقنعة وبحكمته العميقة أن يحوّل النقاش من سلاح مقاومة إلى إستراتيجية دفاعية، تمّ تقريب موعد الحرب. أما أسر الجنديين فاتخذ سببا سخيفا لشن حرب مقررة ومحضرة ويعلم بها الجميع. وللأسف، يؤلمني أن أقول، ويمولها بعض العرب.

العميد الركن “أمين حطيط” قائد كلية القيادة والأركان سابقا، أستاذ فلسفة القانون في الجامعة الإسلامية في لبنان، أستاذ القانون المدني والتجاري في الجامعة اللبنانية، مفوّض الحكومة اللبنانية عام 2000م لدى ترسيم الخط الأزرق على الحدود بين إسرائيل ولبنان. وسبق أن شرح أسباب الحرب بعبارات أخرى في لقاء صحفي قال فيه: “عندما حصلت عملية أسر الجنديين، انطلقت إسرائيل لتقول إنها تريد تحرير الأسيرين. لا يمكن للمحلّل إغفال أن الوسائل التي تستخدم في الحرب لا تتناسب مع الهدف المعلن، وبالتالي يجب البحث عن الهدف المضمر. نعود إلى التاريخ القريب والمتوسط لنجد القرار 1559. إذًا الهدف ليس تحرير الأسيرين، هناك تطبيق القرار. ثم نرتدّ إلى إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن الشرق الأوسط الجديد، ونستنتج: هي إذًا ليست حرب الأسيرين ولا تطبيق الـ 1559 فقط، إنما حرب إقليمية لإعادة صياغة المنطقة. التحليل في هذه الحالة لا يعود إلى مجرد توقعات بل معلومات: هناك قرار أمريكي إسرائيلي بالتخلّص من المقاومة في لبنان للانطلاق إلى تغيير في الشرق الأوسط، وهذا القرار وضع تنفيذيا بموجب خطة موضوعة مسبقا، وانتظر ظرفا انطلق منه لينفّذ هذه الخطة القائمة على مرحلتين”.

سر الانتصار

تلك الحرب كانت في نظر جهات كثيرة أقرب إلى “نزهة” حسب التعبير الشائع، وهو ما فسّر في حينه تسرّع رايس في الإعلان غير المباشر عن الهدف بطرحها شعار “الشرق الأوسط الجديد”، وقد مات الشعار في هذه الأثناء، فقد ظهر للعيان أن الحرب انتهت بهزيمة، وأن المقاومة لم تكن لقمة سهلة المنال على الدبابات والطائرات الإسرائيلية، فما سر قوّة المقاومة اللبنانية؟.

للخبير العسكري العميد الركن أمين حطيط نظرته المتميزة على هذا الصعيد، وخبرته الإعلامية تمكّنه من طرح الجواب طرحا واضحا عندما يحدّد أولا طبيعة “المقاومة” العسكرية الناجحة فيقول:

– حتى نقول بوجود مقاومة ناجحة، يجب أن نقول بثلاثة عناصر:

العنصر الأول هو الإنسان، والعنصر الثاني هو السلاح، والعنصر الثالث هو نمط القتال والإمرة.

لو استعرضنا أسباب وعناصر نجاح المقاومة بوجه إسرائيل لوجدنا أن الإنسان الذي قاتل قاتل بعقيدة جوهرها العقيدة الإسلامية، النصر أو الشهادة. وبالتالي عندما يدخل مقاتل المقاومة الإسلامية في الميدان يضع نصب عينيه هذا العنوان، النصر أو الشهادة، والآية: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} وبالتالي المقاتل في المقاومة الإسلامية رغم التدريب ورغم كل الكفاءات، الأهم من التدريب ومن الكفاءات هو الشحن المعنوي العقائدي الذي لا مثيل له. لو جئنا بهذا المقاتل ودُمج في الجيش هو نفسه، الجيش اللبناني ليس كله من المسلمين، وإرادة القتال عند غير المسلمين قد تكون متفاوتة، ولكن لكل شخص فكره العقائدي وطريقته في الدفاع عن حقوقه. والذي اختُبر حتى الآن أن الفكر العقائدي الإسلامي بهذه الصيغة هو الأرقى.

ثانيا، بالنسبة للسلاح، السلاح الذي ينبغي أن يمتلكه الجيش هو السلاح المناسب لتنظيمات وتشكيلات تقليدية مناسبة. هذه الأسلحة والطاقات غير متوفرة إمكاناتها للجيش اللبناني. لا متوفرة بالمال ولا متوفرة في السوق. وبالتالي إذا ربط الجيش بالمقاومة بمسألة السلاح، فسنأتي بسلاح خفيف ويذهب إلى تشكيلات تقليدية، فننهي دور السلاح.

ويؤكّد حطيط أهمية العنصر الثالث وراء انتصار المقاومة الذي تنكره جهات عديدة؛ فهو عنده:

– الأمر الأهم والأخطر هو نمط القتال. المقاومة تقوم بنمط قتال غير تقليدي، قتال العصابات والمجموعات الصغيرة التي تستطيع أن تنهك قدرات العدو دون الحد الأدنى من الضرر.

ثم يحدّد معيار المفهوم العسكري للقول بانتصار المقاومة:

– أكبر دليل هو أن شهداء المقاومة الإسلامية في حرب تموز (يوليو) لم يصل عددهم إلى الـ200، أقل بكثير. بينما قتلى العدو المعلن عنهم 296 قتيلا و680 جريحا. هؤلاء المعلن عنهم، ولكن في مراقباتنا، القتلى وصلوا إلى حوالي 450، والجرحى إلى 900.

في حرب 67 أعلنت إسرائيل عن 3 قتلى و18 جريحا. كل حرب 67.. احتلت 3 دول عربية وأعلنت عن هذا العدد. ثم لحفظ الكرامة للآخرين، أعلنت كرقم نهائي عن 5 قتلى و21 جريحا. بينما قتال 33 يوما انتهت بهزيمة، تسبب، بالمعلن لديها، بـ296 قتيلا. لماذا؟ لأن المقاومة قاتلت قتالَ نمطٍ بين النمطين، بين التقليدي وغير التقليدي. إذا دمجنا المقاومة بالجيش فسيضيع هذا النمط من القتال، وسنؤثر على الوضع المعنوي، وستصبح المقاومة فصيلا آخر من فصائل الجيش اللبناني لن يحقق أي جدوى. ونمكّن إسرائيل من التهامه كما التهمت الجيوش العربية الأخرى. وبالتالي القول بدمج سلاح المقاومة في الجيش اللبناني هو عملية تقديم رأس المقاومة للمشروع الغربي. لذلك تنتهي المقاومة إذا دمجت في الجيش.

ويعلل حطيط سبب معارضته الشديدة لدمج المقاومة في الجيش:

– الجيش اللبناني هو جيش مختلط من كل المذاهب، مسيحي ومسلم وكل المذاهب. الشحن العقائدي للمقاومة هو شحن عقائدي إسلامي صاف، إذا عمدنا إلى نفس الشحن في الجيش اللبناني فإننا سنفجر الجيش اللبناني لسببين، أولا أن الجيش اللبناني قائم على التوازنات، الجيش اللبناني اليوم 36 ألف عسكري، تقريبا نسب متقاربة بين المسلمين والمسيحيين. إلى الآن لا أحد يستطيع أن يدعي كم هو عدد أفراد المقاومة، حتى إن سألنا أحد عناصر القيادة في المقاومة، إن عرفوا فلن يقولوا، والأرجح أنهم لا يعرفون؛ لأن ذلك من العمل السري الذي تمتاز به المقاومة. لنفترض أن عدد المقاومين 15 أو 20 ألفا، حتى نكون صادقين وصريحين، هؤلاء هم شيعة فقط. لو دمجنا 20 ألفا بـ 36 ألفا، ومنهم على الأقل 8000 شيعي، إذا انتهينا بـ28 ألف شيعي يصبح الجيش شيعيا، وهذا الوضع لا يحتمله لبنان. إذن المسألة ساقطة لاستحالة الموضوع.

كما يحذّر حطيط من التنازل في مسألة تسليم سلاح المقاومة، ويقول جوابا على السؤال عن سبب معارضته هذه:

– سأجيب هنا كمراقب ومحلل عربي مسلم. نحن الآن في لبنان وفي منطقتنا كلها، كانت النتائج التي حصدت في عام 2000 نتائج تراكمية لعمل مقاومة وسجلت نصرا ولكن هذا النصر نصر في جولة أو نصر في حرب. ثم كانت ردة الفعل الإسرائيلي في عام 2006، وكان النصر للمقاومة نصرًا في جولة ونصرًا في حرب. لكن نحن لم ننهِ الصراع، أنا عندما أنهيت مهمتي في العام 2005 وكتبت كتابي الذي أضع فيه تجربتي، ختمت الكتاب بهذا الفصل، وله دلالة، نهاية المهمة وبقاء الهم… هذا اسم الفصل. نحن الآن مع العدو الإسرائيلي لم ينته أمرنا أو صراعنا، صحيح انتصرنا في 2006، ولكنه نصر في جولة أو نصر في حرب، أما الصراع ففيه جولة جديدة. الصراع مستمر، فلا حديث عن تنازلات في سلاح المقاومة.

حرب الشعوب مستقبلا

النظرة المستقبلية لا تقل أهمية عن تحليل ما جرى من أحداث سابقة، وهي متميزة عند أمين حطيط صاحب كتاب “صراع على أرض لبنان” الذي يوثق حقيقة “الخطّ الأزرق” في الجنوب، وصاحب كتاب “الإستراتيجيا الدفاعية: مبادئ عامة وتطبيق في لبنان” الذي كان على وشك إصداره عندما سبقته الحرب، فتسابقت على سماع موقفه وسائل الإعلام اللبنانية والعربية منذ ذلك الحين، وهو على ثقة بأن الحسم لن يكون للحروب التقليدية مستقبلا، ويشرح موقفه ذلك بقوله:

– في 5 حزيران (يونيو) منذ سنتين، رغب صديق مصري يعمل في تلفزيون المنار، بمناسبة ذكرى حرب حزيران أن يسلط الضوء على هذه الحرب وما تبعها من حروب، وكنت ضيفه في الحلقة يومها. لم تكن حرب 2006 قد نشبت. وقلت يومها، العام 1973 كان نهاية الحروب التقليدية في الشرق الأوسط ويمكن أن يكون نهاية الحرب التقليدية في العالم. لأن الذي يملك السلاح المتطور يستطيع أن يحسم بقواته التقليدية أي حرب، وبالتالي الدول الضعيفة أصبحت جيوشها لحماية الأنظمة من الشعوب، هكذا وصفت. الدول الضعيفة تنشئ الجيوش لحماية الأنظمة من الشعوب. أما حماية الدول، فقد سقط التكليف فيها عن الأنظمة وعن جيوشها واستعادت الشعوب مهامها في هذا الوقت، وقلت إننا الآن في مرحلة جديدة، وهي حرب الشعوب، وليست حرب الجيوش.

وبعد ذلك بسنة تقريبا جاء الوضع اللبناني ليثبت هذه النظرية. لو كان الذي يواجه إسرائيل هو جيش تقليدي لكانت استعادت إسرائيل هيبتها كما فعلت في العام 67. ولكن بما أن الشعب هو الذي واجه إسرائيل، وبمقاومة عقائدية كما ذكرت، وبنمط من القتال كما ذكرنا، فإن إسرائيل لا تستطيع أن تنتصر على شعب، وأنا أثق ثقة تامة، ومن موقعي كعسكري محترف ومكنتني خدمتي العسكرية من اكتساب الخبرة التي أعتز بها، أن إسرائيل دخلت طريق نهايتها عندما بدأت تواجه الشعوب مباشرة ولا تواجه الأنظمة. لأن الأنظمة للأسف يمكن أن تخضع باتصال هاتفي أو بوعد مصلحي. أما الشعوب فلا تسيرها إلا مصالحها الحقيقية وعقائدها الحقيقية، هذا إذا توفر لها القائد المخلص الذي يقدم ابنه في الميدان قبل أن يقدم أبناء الناس.

ولا يغفل العميد الركن أمين حطيط عن عوامل أخرى في الحروب، ولكنه يحدّد مفعولها بطبيعة تصرّف “عنصر الإنسان” معها، ومثال ذلك العامل الجغرافي:

– للجغرافيا دور، ولكن الفكر البشري، وهو ما ميز الله به الإنسان عن كل الكائنات يستطيع أن يسخر الجغرافيا له. على سبيل المثال: أفخر بأن أذكر أن هناك قائدا مصريا، في حرب خاضها في معركة في سيناء وسيناء مكشوفة، واستطاع أن يبيد تشكيلا من المدرعات الإسرائيلية بـ”الآربيجيه” عندما حفر في الصحراء المكشوفة ثقوبا بمثابة كمائن، ولم تستطع الطائرات أو الدبابات اكتشاف هذه الثقوب واستطاع أن يلحق التدمير الكامل بالمدرعات الإسرائيلية.

العقل البشري المستند إلى إيمان بالله يستطيع أن يهزم الجغرافيا ويسخرها لمصلحته. أما أن ننتظر أن تقدم لنا الأرض كل شيء ونحن فقط نقطف، فهذا الأمر أستطيع أن أقول إنه لن يحصل. نتعامل مع الجغرافيا كما هي الجغرافيا. وهنا أعطي مثلا يفخر به لبنان والجنوب خاصة، عندما كانت إسرائيل محتلة للجنوب في عام 1982 جمعت في معتقل واحد، معتقل أنصار، عددا من المدنيين والعسكريين الذكور. بلغ هذا العدد 8000 شخص. وأحيط المعتقل بثلاثة أنواع من الحواجز، الحاجز الأول هو ساتر ترابي، والثاني لفات من الأسلاك الشائكة، والثالث خندق وبعده أيضا أسلاك شائكة، وعرض هذه الحواجز الثلاثة، من المعتقل إلى الخارج، يبلغ حوالي 50 مترا. المعتقلون في أنصار، بالعود أو بالشوكة أو بالملعقة استطاعوا أن يحفروا نفقا تحت هذه الحواجز وأن يفلتوا من هذا المعتقل، واليوم سمي بيوم الهروب الكبير. استطاعوا أن يحفروا النفق وهم لا يملكون شيئا أكثر مما ذكرت، أو الصحن البلاستيك. إرادة الإنسان تسخر الطبيعة، وهنا نقول الآن -وأنا مطمئن لكلامي- إذا آمن الإنسان بربه وعمل كما يريد الله فالله يكون حسبه ويكمل له قوة كان بحاجة إليها ليقوم بعمله فيستطيع.

, , , , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: