Archive for category أقلام حرّة

كَف المير والبصّارة

محمد حسين بزي

بقلم محمد حسين بزي*

كف المير (الأمير) والبصّارة

(مسرح جان دارك- بيروت 1993 م.)

ملاحظة: هذا النص قبل إعداده سيناريو وعرضه مسرحياً، ولكنني لم أعثر عليه بحلته النهائية.

كان الرمل يفترشُ المساحة ْ
وكانت الخيمة مأوى الراحة ْ
وكان الشعر ومعلقاتُهُ
والصندوق الخشبيُّ ومدخراتُهُ
أطلالَ وفرسانْ
كُليّبَ وأوسانْ ..

كانت الأمّةُ عربية
والزمنُ عربياً
والهواءُ عربياً
والحاكمُ عربياً
وكلهم أبناءَ الخيمة ْ
فحمداً لله على هذه النعمة ْ ..

***
لكنها سالفة ُ الذِّكرِ
ويتيمة ُ الدهرِ
لأنَّ (النمّو الاقتصادي)
طرقَ بابَ العروبة ْ
ومزَّقَ رحم العروبة ْ
ومرَّغَ أنفَ العروبة ْ
ولعنَ أنفاسَ العروبة ْ
في زمنٍ لمْ يَعْدْ فيهِ عربيّ
إلاّ الخيمة ْ
فحمداً لله على هذه النعمة ْ ..

***
وهنا تأتي البَصَّارَة
لقراءةِ الكَفِّ العربي
من أيدي الميرِ العربي
أو ما شُبِّهَ به ..

جاءتْ البَصَّارَة
لمأوى العزِّ التليدْ
لتُسبِّحَ اللهَ
في النموِّ الاقتصادي
فبيّنَ الخيمةِ والغيمة ْ
ألفُ كلمةٍ وكلمة ْ ..

وخاصرةُ الزمنِ
تبقى ملتوية
التواء عربياً
فتُعَرِّجُ البَصَّارَة
عبرَ جغرافية الالتواء
وتبدأُ بسؤالْ:

مير يا مير
ما هذا .. ما هذا؟
أخبرتني أُمّي عن أُمّها
عن جدِّها الأعلى
الذي كان عربياً
عكسَ ما رأيتْ ..!

(لسان حال المير):

كأنَّ هذه البَصَّارَة
لا تنطقُ بحكمةِ الهزيمة
أو لحنِ الذلْ
ولا تعرفُ العزفَ
على آلةِ التُخمة ْ
خاصَّةً إنْ كانت ايطالية
مسكينةٌ ذاكرتُها
بقيتْ في الخيمة ْ
وبقيتْ أفكارُها عربية ْ ..

(ونطق المير)
فقالَ لها:
هذهِ نعمٌ اختصَّنا اللهُ بها
دونَ شعوبِ الأرضِ كلها ..
فقالَتْ: يختصُّ بنعمتِهِ من يشاءْ ..

وتابعتْ: هذه القصور من أجملها ؟
أجابها: هذا دياليكتيك التاريخ !
قالَتْ: لا أفهم ؟
قالَ: أصبحنا اثنان
نحنُ ننفذْ
ولا نُتعب أنفسنا بالعنوان ..!

قالَتْ: نعم، هذا ما كانت تخبرني به جدتي:
إنْ لمْ يكن ما تريدْ
فأرد ما يكونْ
ولا يفسد الكيلَ
إلا كثرة الظنونْ ..

هذا مثلٌ عربيّ يا مير

قالَ: نعم؛ نعم يا بَصَّارَة
يعني.. إنْ لمْ تكنْ
حمارةٌ عربية ْ
فسيارةٌ أمريكية ْ
ولا نُتعب أنفسنا بالنوعية ْ
حتى لا نخسرَ بدائلَ النِفط ..

وهنا؛ فهمت البَصَّارَة
ولكن ما النِفط ؟
بطبيعة الحال ليس حمارة ..!
قالَتْ: مير يا مير..
ماذا يعني النِفط ؟
قالَ: النِفطُ سائلٌ أسود .. قبيح الرائحة
لكن الله لا يتركنا يا بَصَّارَة
أتتْ بلادُ الغربِ
تُنبِِّشُ وتفتشْ
تتعبُ و(تبحبشْ)
وبعد أنْ يخلصونا منه؛ يدفعونَ ثمناً له
إنَّ الله لا يتركنا يا بَصَّارَةْ …!

يتابع المير:
فجعلَ من بين أيديهم سداً
ومِنْ خلفهِم سداً
فهم لا يبصرونْ
ولا يعونَ ما يفعلونْ ..

وكما قلتِ لا يفسد الكيلَ
إلاَّ كثرةُ الظنونْ
فتركناهم على عمَاهُمْ ..

فقالَتْ البَصَّارَة:
سحبانَ ربي سبحانْ
لوْ لم يكن هناك بهاليل
لمَا يزدهرِ العربانْ

فهذه حكمةُ الخلق
في درجات الإنسانْ ..!
***
ومضت البَصَّارَة تسألْ:

في خيمتنا (العربيَّة) الجوُّ حار
وعندك الهواءُ مُثلّجْ
كيفَ .. كيفْ ؟
قالَ: هذا من بلادِ اليابان
قالَتْ: والهواءُ العربي؟
قالَ: إنه مجندٌ لريحِ الثورة ْ ..!
قالَتْ: وأية ثورةٍ يا ميرْ؟
قالَ: تحريرُ فلسطينْ ..

قالَتْ: وهذا الذهبُ الموشَّى على عباءتِكْ ؟
قالَ: هذه بزَّة الكفاحْ
قالَتْ: فهل بالذهبِ تناضلُ الأُمّة ْ ؟
قالَ: نعمْ؛ بما استطعتُمْ من قوة ْ ..

قالَتْ: وهذه الجواري ؟
قالَ: إماءٌ من بلادِ الإفرنجْ
وفرنا على أنفسنا القتالْ
فسبيناها بالمالْ ..

قالَتْ: أينَ الأولادْ
لا أراهم في مكانْ ..!
قالَ: في أمريكا
قالتْ: ماذا يصنعون ؟
قالَ: يغزون بلادَ الأمريكان
قالتْ: وأيُّ أنواعِ الغزو؟
قالَ: الغزو الثقافيْ
بالشعرِ والقوافيْ
فقد ترجمْنا ديوانَ عنترْ
والمُعلقاتِ الشِعرية ْ
إلى عشرين لغةٍ محكية ْ
لنربي الأجيالْ
على اللهجةِ الثوريّة ْ ..

قالَتْ: بشَّرك الله بالجنّة ْ
وأعطاكَ أجرَ المجاهدينْ
ورَفَعَكَ أميراً للأمّة ْ
لتملئَ الأرضَ بالمقاتلينْ ..

***
هاتِ كفكْ
يا ميرُ هاتْ
لأنبئَكَ بالمحتومْ
وما هو آتْ ..

(استبلهتني) يا ميرْ
فما كنتُ (بهلة ْ)
واستغفلتني يا مير
وما كنتُ غَفْلة ْ
أصبحنا كالمرأة الحُبلى
مِنْ صلبٍ لا نعرفُ أنواعَهُ
على تعددها
فلن ننجبَ عربياً واحداً
لكثرةِ ( ……)

فأينَ الثورةُ والغزوُ
أبلمعلقاتِ الشعرية ْ
أمْ بالجواري الرومية ْ
أمْ بالعباءاتِ الذهبية ْ …؟!

مير يا ميرْ
هاتِ كفّكَ هاتْ
كفاكَ فخراً
كفاكَ غزواتْ
في كفّكَ يا ميرْ
إلتقاءُ ليسَ بعده افتراقْ
لخطوطٍ فرنسية ْ
وأخرى إنجليزية ْ
ولا تنسَ الأمريكية ْ
وعصبُ الكفِّ
يا ميرُ لا أفهمهْ
لأنه باللغةِ العبرية ْ …

***
هاتِ كفّكَ يا ميرُ هاتْ
كفاكَ غزواً
كفاكَ ثوراتْ
من يزرعِ الذلَّ
يحصدِ الهزيمة ْ
بعد ما حُصدتْ
ومن يحارب بالقولْ
يسمعِ الأوامرْ
بعدما صدرتْ …

في كفّك يا ميرْ
عليكَ حُكمانْ
حكمٌ من التاريخْ
وآخر من الزمانْ
فمن التاريخ تحيةً يا ميرْ
لأنه ليس عربياً
ومن الزمانْ
على العربِ السلامْ .

بيروت 7/8/1993 م.

*شاعر وناشر من لبنان

, , , , , ,

أضف تعليق

إذا لم نؤيد الشيخ العريفي فمن نؤيد؟؟

بقلم أمل طنانة*

أمل طنانة

من مصادفات الحياة العجيبة، ذلك الاتّصال غير المنطقي بين الأحداث الّتي تجري بين بلد وآخر، وكأنّها تدخّل إلهيّ مقصود للإضاءة على سبل الخروج من الأزمات والمآزق، الّتي نتشابه في الوقوع تحت تأثيرها، لكنّنا لانتشابه في طريقة الخروج منها، بسبب اختلاف مجتمعاتنا وطرق أهل السّلطة في الإمساك بزمام الأمور وتطبيق القوانين…

منذ أيّام كادت أن تقع فتنة مذهبيّة كبرى في لبنان، وكادت – لاقدّر الله – أن تعيد الحرب الأهليّة إلى ما كانت عليه في فترة الثّمانينات بلمح البصر!!

أحد أصحاب العمائم اللّبنانيّين المعروفين بالصّراخ والعويل من على منابر التّمذهب، والتّطيّف ( من الطّائفيّة) والتّعنصر ( من العنصريّة) إضافة إلى التّجييش والتّهويش ومدّ الحوار العالي بالزّيت والنّار..

الشّيخ المحترم – لاداعي لذكر طائفته – قام بخطف نفسه عن سابق تصوّر وتصميم، بالاّتفاق مع عصابة من جماعة المذهبيّة والتّكفير، تمهيداً لاتّهام طائفة أخرى من الطّوائف الكبرى في الوطن – لاداعي لذكر الطّائفة الأخرى – بخطفه والاعتداء عليه!

وطبعاً كان السّلاح محضّراً ومتوفّراً، والشّباب الثّائرون معبّؤون للقيام بأولى المعارك، وعمامة والده – المنسوبة حسب زعمه للخليفة عمر بن الخطّاب – حاضرة، ومن ثمّ ستشكّل حادثة الاختطاف المزعوم ( بوسطة عين الرّمّانة) الشّهيرة، و ليُقتل بعد ذلك من يُقتل وليُحرق من يُحرق، وليذهب لبنان بمن فيه إلى الجحيم!

المهمّ أن تندلع النّار في وطن لايحتاج ليحترق إلى أكثر من عود ثقاب!

ولحسن الحظّ كان الجيش اللّبناني ساهراً، وخلال ساعات تمكّن من الوصول إلى حيث اختطف الشّيخ المبجّل نفسه، وألقى القبض عليه مع المشاركين له في ذلك الفيلم البوليسي الطّويل الّذي سجّل الفشل الذّريع في دقائقه الأولى!!

وبإلقاء القبض على الشّيخ والعثور عليه حليق اللّحية، ومن ثمّ إيداعه السّجن لم يتمّ تجنيب لبنان كارثة الوقوع في حرب أهليّة مدمّرة فحسب، بل تمّ أيضاً تلقين الدّرس لكلّ أهل الخطابات الطّنّانة والرّنانة، والمنابر المحرّضة على التّكفير والمذهبيّة:

وقال القانون اللّبناني كلمته للنّاس بلا استثناء: كلّ الدّيمقراطيّة والحرّيّة الّتي تعيشونها ستظلّ نعمة كبرى مالم تتجرّؤوا على السّلم الأهلي، وتجيّشوا الأحقاد وتثيروا النّعرات الطّائفيّة والفتن الّتي هي أشدّ من القتل!!

فمن يجرؤ بعد هذا أن يقف على منبر تحت ظلّ أيّ عمامة من العمائم ليحرّض على الفتنة، أويوقد شرارات البغضاء بين أهل الوطن الواحد؟؟

ما يثير الغرابة أن يحدث هذا في لبنان، في فترة مقاربة للتّحريض المذهبيّ العلنيّ ضدّ الشّيعة في السّعوديّة، ومن أحد المشايخ المعروفين، الّذي قام بالتّعرّض علناً لأحد المراجع الشّيعة بافتراءات تمسّ كرامة الطّائفة بأكملها، سواء لمقلّديه أو غير مقلّديه. ومع ذلك، لم يتصدّ له سوى ثلّة من المثقّفين والمفكّرين والعقلاء، فيما غضّ الباقي البصر عنه أو أيّدوه بصراحة!!
ومنهم الأربعون ضِراميّاً ( من مضرمي النّار ومشعليها)، الّذين قاموا بتأييد موقفه التّكفيريّ، والتّوقيع بأسمائهم الصّريحة جهاراً تحت بيان يصبّ الزّيت على النّار، ويصادق على كلمات الرّجل وكأنّه بات نبيّاً مرسلاً..

والأغرب ممّا قام به هؤلاء، ماقرأته على لسان أحد شعراء العائلة الحاكمة (الأمير خالد بن سعود) الّذي قام يمدح شيخ المذهبيّة في قصيدة نشرتها العديد من وسائل الإعلام، مشيداً بموقفه التّكفيري المتطرّف، قائلاً بالعربي الفصيح:

” إذا لم نؤيّد الشّيخ محمّد العريفي فمن نؤيّد؟!!!”.

غريب فعلاً أن يتحوّل دور القصيدة في (بازار) المذهبيّة من الجمع إلى التّفريق!!

طبعاً – حتّى الآن – لم أقرأ جواباً على سؤال الأمير الشّاعر نفسه، الّذي رضي بأن يلوّث حبره عن سابق تصوّر وتصميم شعريّ بالتّطرّف والطّائفيّة، وحَسِبَ نفسه – كحاكم وكمسؤول – على جهة من الشّعب دون الأخرى، مقدّماً صورة شاذّة عن صورة الدّور الحاكم والمسؤول نحو من يتعمّد أن يُحرق الوطن على من فيه، إرضاء لغرائزه، ولرأي واجتهاد شخصيّ وحقد دفين رضعه من كتب الوهابيّة، الّتي مازال أهل السّلطة في السّعوديّة يترنّحون بين الإبقاء عليها من جهة لتكفير الشّيعة باعتبارهم – في نظرهم – فارسيّي الهوى، ومحاربتها لحماية النّظام من القاعدة ومخطّطاتها الإنقلابيّة!!

ولنصل إلى السّؤال الّذي يفرض نفسه:

ما هو الموقف الرّسمي الّذي كان على السّلطة أن تتبنّاه إزاء ما قاله العريفي وأمثال العريفي؟

هل هو الموقف المحايد؟؟

حتّى الموقف المحايد غير مقبول لأنّه يعزّز منطق التّكفير في وطن متعدّد المذاهب، ويحرّض على الانقسام والفرقة والفتن، في زمن يعتبر فيه السّكوت علامة الرّضا والمشاركة..
كان على السّلطة الغيورة على شعبها أن تُقدم بشجاعة وجرأة على معاقبة العريفي ومن معه لقطع دابر الفتنة ورأسها، والقول جهاراً: غير مسموح لأيّ طائفة أو جهة أن تحرّض على الفتنة، والسّلم الأهلي خطّ أحمر..

إنّ فوائد موقف كهذا من أهل السّلطة لايمكن إحصاؤها، لأنّها ستدعم بلا شكّ موقفها من المكفّرين الشّيعة أيضاً، وممّن يحرّضون على الفتنة مهما كان لونهم وانتماؤهم، أو من كان يقف وراءهم..

وللإجابة على سؤالك ياسموّ الأمير، سأجيبك بمنطق اللّبنانيّين الّذين خبروا المذهبيّة وشرّها: إن لم تؤيّد العريفي فعليك أن تؤيّد وحدة وطنك، وسلامة أرضه وشعبه من الفتنة والانقسام!!
إلاّ إن كنتم تحاربون الانقسام علناً وتسعون إليه سرّاً.. فلهذا القرار شأن آخر..

حفظ الله السّعوديّة وشعبها من كلّ سوء..

*شاعرة وأديبة من لبنان

, , , ,

3 تعليقات

الإحباط والأمل بين طالبتين مصريتين

بقلم رضي السمّاك

( نشرت في أخبار الخليج عام ٢٠٠٨)

أروى صالح

غداة انفجار الانتفاضة الفلسطينية ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 2000م، وما ارتكبه العدو الإسرائيلي خلالها من جرائم إبادة وتنكيل بحق الشعب الفلسطيني مما أدى حينها إلى تفجر السخط العربي العارم ضد إسرائيل والمتمثل في اندلاع مسيرات ومظاهرات العنف العربي في البلدان العربية كافة تضامنا مع الشعب الفلسطيني وتنديدا بالعجز الرسمي العربي المتفرج على جرائم الاحتلال..

في ذلك الوقت وحيث كانت الحركات الطلابية العربية في مقدمة المشاركين في تلك المسيرات والمظاهرات الاحتجاجية لاحظ المراقبون والمحللون السياسيون دخول فئات طلابية عربية جديدة لم يعرف عنها تاريخيا وتقليديا المشاركة في الحركات الطلابية. ولعل من أبرز هذه الفئات طلبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وأتذكر حينها بأني كتبت مقالا قارنت فيه تاريخيا الحركة الطلابية بين الجامعتين الأمريكيتين في القاهرة وبيروت. ففي حين تكاد تقتصر الجامعة الأولى على أبناء الذوات والباشوات في مصر، وهو ما يفسر، إلى حد كبير، أحد الأسباب الرئيسية لابتعاد طلبتها عن الانخراط في الحركات الطلابية المصرية على امتداد عقود طويلة منذ تأسيسها، فإن الجامعة الثانية، بيروت، عرفت بعراقة الحركات الطلابية اللبنانية والعربية فيها منذ وقت مبكر في القرن العشرين وعلى الأخص منذ الأربعينيات وحيث كانت معقلا رئيسيا لولادة وتنامي معظم التيارات السياسية العربية المعاصرة، وعلى الأخص القومية واليسارية، وحيث ضمت الجامعة في صفوفها فئات اجتماعية مختلفة ولم تقتصر فقط على أبناء الذوات، وذلك لأسباب ليس هنا موضع تناولها.

مناسبة هذه المقدمة الطويلة، هو ما حفل به معرض الكتاب الحالي من إصدارات جديدة مهمة والتي كان من ضمنها كتاب الطالبة المصرية بالجامعة الأمريكية في القاهرة الموسوم «قتال حزب الله.. الدين في مواجهة إسرائيل.. كيف انتصر حزب الله في حرب تموز 2006؟«، وهو من إصدارات «دار الأمير« البيروتية. وقد لفت نظري في يوم افتتاح المعرض بأن عنوان هذا الكتاب قد جذب انتباه وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أثناء تجوله بين أجنحة المعرض، حيث حرص على شرائه، إلى جانب كتب أخرى. وبحكم زمالتي معه في لجنة إعداد قانون جديد للنشر والصحافة التي عين أعضاءها سمو ولي العهد فإن الشيخ خالد كان معروفا عنه بعمق واتساع ثقافته السياسية العامة. وبدوري حرصت على شراء هذا الكتاب.

وكان أول ما لفت نظري في غلافه اسم المؤلفة أروى محمود، وعلى الفور قفز ذهني إلى اسم طالبة مصرية راحلة نظيرة لها في الاسم الأول أروى صالح، حيث ماتت في ظروف مأساوية أواخر التسعينيات، وكانت من رواد وخيرة القيادات الطلابية في السبعينيات إبان صعود الحركة الطلابية بجامعة القاهرة، إلا أنها انهارت في لحظة ضعف إنساني فأقدمت على الانتحار، لا لأسباب خاصة عاطفية أو عائلية أو معيشية كحال أكثر المنتحرين العرب، بل لأسباب سياسية عامة، وذلك على خلفية طول معاناتها المؤلمة، ونفاد صبرها من القدرة على التكيف مع اتساع وتعمق حجم التحولات الارتدادية السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع والحياة السياسية المصرية، وهي التحولات التي ترجمت نفسها في تغير مواقف ومسلكيات العديد من رفاق الأمس وطغيان النزعات والمصالح الأنانية الاستهلاكية والمادية الفردية على مواقف العديد من الناس، مقارنة بالعصر الطلابي الذهبي الذي كانت شاهدة عليه ومن صناع أحداثه. وكانت أروى صالح التي تمثل واحدة من جيل طلبة السبعينيات الذي عرف بعنفوان وحرارة أحلامه الثورية الملحة في التغيير السياسي قد حرصت على تدوين خواطر معاناتها النفسية المريرة من جراء تسارع تلك التحولات الارتدادية صدرت بعدئذ في كتاب لها بعنوان «المبتسرون«. ولأن كان كتاب أروى صالح جاء ليعبر عن عمق الإحباط الذي انتابها من جراء تراجعات المد الوطني والقومي في مصر والبلدان العربية، فإن كتاب أروى محمود التي هي من أبناء الجيل الطلابي العربي المعاصر جاء ليعبر بشفافية وصدق مشاعر مفعمة الأمل باستشراف بزوغ الفجر العربي الجديد، وذلك من وحي تأثرها وحماسها الشبابي الحار في لحظة من اللحظات التاريخية العربية المعاصرة النادرة المعبرة عن الكرامة العربية والتي تمثل بقعة ضوء وسط بحر الظلام العربي الدامس الطويل، وذلك كما تجلت في صمود المقاومة الوطنية بقيادة حزب الله في وجه العدوان الإسرائيلي الهمجي البربري على الشعب اللبناني في صيف عام 2006، حيث تابعت هذه الشابة الطالبة العربية المصرية أحداث الحرب، مزهوة بما حققته تلك المقاومة اللبنانية من بطولات صمودية في وجه العدوان تمكنت خلالها من إحباطه ومتفجرة، أروى محمود، غضبا وحقدا ضد العدو الإسرائيلي لما ارتكبه من جرائم يندى لها جبين البشرية بحق شعب أعزل بأكمله وعلى الأخص في الجنوب.

وأهمية هذا الكتاب تكمن من كونه في الأصل رسالة ماجستير باللغة الإنجليزية قدمت خلال شهر مايو الماضي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتمكنت أروى محمود من اجتياز مناقشة الرسالة ونيل شهادة الماجستير حيث أشرف على الرسالة الدكتور جيفري هيلسينج، أما لجنة المناقشة فقد تكونت من هذا الأستاذ نفسه، والدكتورة هبة رؤوف عزت، والدكتور وليد قزيحة.

كما تتجلى أهمية الكتاب في أن مؤلفته لدى اهتمامها البالغ بتوثيق وتحليل دلالات وأبعاد ذلك الصمود الذي اجترحته المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله لم تكتف بالاقتصار على جمع المصادر الإعلامية أو المراجع والمؤلفات العربية والأجنبية التي عنيت برصد وتحليل تلك المواجهات بين المقاومة والعدوان فحسب، بل الأهم من ذلك فقد أولت اهتماما بالغا بإجراء حوارات ومعاينات عيانية مباشرة في كل المناطق الجنوبية واللبنانية عامة التي كانت ميادين للمواجهة مع العدو وحيث شهدت تدميرا وتخريبا واسع النطاق يعبر عن عمق الحقد الذي يكنه هذا العدو تجاه اللبنانيين والعرب عامة، وأجرت حوارات مباشرة مع ذوي الشهداء والأسرى والجرحى والبطلات الأمهات الثكالى، وقادة المقاومة وخصت الشكر لمساعدتها في إنجاز رسالتها العلمية المهمة بالإضافة إلى أساتذتها كلا من محمد حسين بزي مدير دار الأمير للنشر، ود. حسين رحال، وحسان بدير، ود. أمين حطيط، والشيخ حيدر دقماق والحاج أحمد يوسف. وقدم للكتاب الرسالة الشيخ نعيم قاسم الأمين العام المساعد لحزب الله. وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب فإنه جاء كبيرا في عمق تحليله الرصين بحيادية وموضوعية في تأصيل مكامن ضعف العدو الإسرائيلي المدجج بأعتى أنواع الأسلحة المتطورة الحديثة مقارنة بمكامن وسر قوة المقاومة ممثلة في حزب الله والتي أفشلت عدوانه بأسلحة متواضعة.

أهمية الكتاب كما ذكرنا ليس في صدوره فقط باللغة الإنجليزية حيث ترجمته المؤلفة إلى العربية، بل فيما لا يخلو من مغزى ومفارقة أن موضوعه قد أجيز في جامعة أمريكية وهو ما يسجل لصالح تقاليد حرية البحث العلمي في الجامعات الأمريكية. وهو إذ يمثل إضافة قيمة مهمة تثري المكتبتين الإنجليزية والعربية على السواء، وبخاصة في الظروف السياسية الراهنة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية، فإننا نأمل أن تسنح لنا الفرصة قريبا بإذن الله بالتحليل والتعليق على أهم موضوعاته.

, , , , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: