اليوم الرابع: تعلّمت أن أطير..

 

فوق حائط برانكو.. تعلمت أن أطير

اليوم أشعر وكأنني إنسانة أخرى. قلبي يشرق كنور هذا الصباح الجميل.. شعرت بالدفء بين ذراعي الجبل على الرغم من الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة..

واليوم؟ اليوم تعلّمت الدرس جيداً. لا أتكبّر على ما يقدم لي من طعام. سآكله كمن لم تأكل من قبل. نظرت إلى النقانق ووضعت اثنين في صحني، ثم البيض، ثم اللحم، ثم الخبز… لا بأس من قليل من الطاعة إن كانت ستساعدني في البقاء على قيد الحياة.

بعد الإفطار شعرت بالطاقة تسري في جسدي.. انطلقت مع الفريق لتسلق حائط البرانكو. وهو حقاً حائط، يجب علينا تسلق الحجر الذي نلقاه بيدينا وأرجلنا حتى نصل إلى قمته، والتي تقع على ارتفاع ٤٦٠٠ متر، ثم نعود ونبيت في مخيم كارانجا على ارتفاع ٣٩٣٠ متر. كان هذا هو اليوم الثاني للتسلق التأهيلي.. حتى تعتاد أجسادنا وتتأقلم من الارتفاع الشاهق وقلة نسبة الأكسجين في الهواء.

ولكن بركة لم يسمح لي بأن أزيد من سرعتي فأتخطّاه. لقد كان يسير ببطء شديد وبخطوات قصيرة متعمداً حتى لا ننجرف بسرعتنا.  أصر على أن أبقى خلفه قائلاً: “جميل أن تشعري بالحيوية والنشاط الآن، ولكنك إن أسرعت ستشعرين بالإعياء بعد نصف ساعة فقط ولن تستطيعي الاستمرار.”

أطعته.. هذا يوم الطاعة.

ولم أندم. كنت أتلقى درساً كاملاً متخصصاً في فنون التحايل على صعوبة الطريق.. كيف أتسلق الحجر.. كيف أجد المكان المناسب لأمسك بالحجر فأرتفع، وأين أضع قدمي فأتكئ حتى أجتاز التحدي وأنتقل إلى الحجر الآخر.

وكلما ارتفعنا ازداد الحجر كبراً. وكأنني أتأهل تدريجياً من مرحلة إلى أخرى أكثر صعوبة..

وكأنني أسير على درب العمر.. فالحجر هو تلك التحديات التي نلقاها في حياتنا.. والتي تزداد صعوبتها كلما تقدم بنا العمر.. عند كل تحدّ يجب علينا التأني والتفكير ملياً قبل أن نجتازه.. علينا أن ندرس خطواتنا.. فنعرف أين تطأ أقدامنا.. وعلام نرتكز.. فإن كل خطوة قد تعني لنا إما أن نطير أو نسقط.. وقد أردت أن أطير..

كانت حماستي تملأني.. أعطيت كاميرتي لأحد زملائي كي يلتقط لي صورة وأنا أتسلق الحجر.. رفضت كل محاولات بركة في أن يساعدني إما بالإمساك بيدي أو بأخذ حقيبتي.. أردت أن أبدو خبيرة متمرسة في تلك الصورة!

واختار زميلي أكبر حجر وصلت إليه حتى تلك اللحظة فالتقط الصورة.. ولكنني سرعان ما انزلقت بعدها.. فقد شعرت فجأة بثقل حقيبتي.. وحين استشعرت الثقل فازت الحقيبة وجرتني إلى الخلف ففقدت اتزاني.. هنا جاء صوت بركة الحكيم وقد كاد أن ينفذ صبره: “لا أتعجب منك.. لقد فقدت تركيزك ولم يعد بخاطرك سوى تلك الصورة.. أصبح كل همك هو أن تبدين وكأنك خبيرة!”

ولكن بركة لم يفقد إيمانه بحماستي.. فقد استشعر حبي لتسلق الحجر.. فأراد أن يأخذني إلى طريق منفصل به حجر أكبر وأكثر صعوبة.. وصار يرشدني بدقة في كيفية اتخاذ خطواتي.. وكيف أتحسس الحجر لأجد المتكأ..

ونجحت.. وصلت إلى قمة الحائط.. وحدي.. وبحقيبتي الثقيلة.. ولم أشعر بأي نوع من الإعياء!

أكتب الآن والسعادة تغمرني.. ولكنني لا أشعر بأي رغبة في الطعام.. قيل لي أن ذلك طبيعي نتيجة الارتفاع الذي نمكث عليه.. وأن عليّ أن آكل على الرغم من أي شيء!

لم أعد أعرف إن كنت قد فقدت شهيتي نتيجة الارتفاع أم لأنني حقاً امتلأت! ولكنني سأستمر في تناول الطعام كلما قدّم لي.. فإن إبسون.. طبّاخنا الماهر.. لا يتوقف عن ترويعنا كلما رفضنا الطعام: “إن لم تأكلوا لن تصلوا إلى القمة. لا جبال لكم!”

رحماك ربي!

, , , , , , , , , , , , , , , ,

  1. أضف تعليق

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: