أرشيف لـ3 نوفمبر, 2010

اليوم الخامس: عقلي وجسدي..

 

رأيته ولم أستطع أن أرفع عيني بعينه من جلّ تقديري له

لا أدري أأضحك أم أبكي على حالي في تلك الليالي التي تمر.. في معظم المخيمات التي بتنا فيها حتى الآن تقع خيمتنا على منحدر.. والليلة الماضية تحديداً كنا ننام على أرض أكثر انحداراً من ذي قبل. كلما غلبني النوم وجدت نفسي أنزلق نحو حافة الخيمة.. وكلما استيقظت نظرت إلى نورا فوجدت رأسها في وسط الخيمة تماماً، وتركت خلفها فراغاً كبيراً!

وضعت حقيبتي الكبيرة عند قدمي.. بهذه الطريقة قد أمنع نفسي من الانزلاق.. ولكنني كنت وحقيبتي وأشيائي.. كلنا نشغل فراغاً ضيقاً في آخر الخيمة..

كانت درجة الحرارة أشد انخفاضاً من أي مرة سبقت.. احتدّ سعالي وأشفقت على من حولي في باقي المخيم.. فالصوت ينتشر بسرعة هائلة في هذا المكان..

أما اليوم فقد كان أقصر مما سبقه.. تسلقنا لمدة ٣ ساعات فقط، ولكن الانحدار كان شديداً.. وكنت أتنفس بصوت واضح جداً حيث كان الجميع يلتفتون نحوي! لم أبالي.. لدي سعال! سأتنفس بأي طريقة تحلو لي!

توجهنا نحو المحطة الأخيرة قبل القمة.. مخيم بارافو، والذي يقع على حافة صخرية من الجبل تعلو حوالي ٤٨٠٠ متر فوق سطح البحر. كان المخيم مزدحماً جداً، وذلك لأن الحافة المخصصة له كانت صغيرة.. لا مكان قبلها أو بعدها.. وكانت تلك هي فرصتنا الأخيرة لأن نضع تكويننا الحجري فوق الجبل.. وتلك هي عادة لمتسلقي الجبال.. كلما وصلوا إلى ارتفاع معين كونوا جبلاً صغيراً من الحجارة تخليداً لذكرى وصولهم إلى المكان..

نظرت حولي لأجد المكان المناسب.. واستقرينا على مكان يعلونا قليلاً ولكنه منعزلاً والحركة فيه قليلة.. ربما هناك لن يتأثر جبلنا الصخري الصغير بأقدام المارين.. لا مارين هناك..

سرت نحو المكان على الرغم من الرياح الشديدة، غير مكترثة بنداء لبنى خلفي وهي تشكو من صعوبة المكان والبرد الشديد.. ذهبت ونظرت إليها بتشجيع فاتبعتني.. ولكن حين وصلت وقعت المفاجأة!

على تلك الحافة وضعنا جبلنا الصغير

فهمت الآن لم لا يوجد أحد في تلك البقعة على الرغم من ازدحام المخيم.. كانت تلك هي حافة المخيم بعينها.. كانت الأرض تنحدر انحداراً شديداً ولا نهاية تبدو.. كانت السحب والغيوم تخفي مساحة الفراغ الشاسعة التي كانت قطعاً تقع بعدها..

ترددت حينها.. كلما اقتربت إلى حافة مكان شديد الارتفاع شعرت بعدم اتزان.. أشعر وكأنني أنجذب نحو الهاوية.. وعادة أفضل أن أمسك بالحائط أو السور المتاح.. ولكن لا حائط ولا سور هنا! والارتفاع ليس ١٠ طوابق، بل هو آلاف الميترات!

هنا تذكرت نصيحة عمر سمرة وصديقتي نادية.. “حين لا تستطيعين فعل شئ ما فإن ذلك هو عجز في ذهنك فقط.. أنت تعجزين لأنك تظنين أنك تعجزين! يجب أن تصدقي بأنك تستطيعين.. حينها لن تعجزي!”

لقد رأيت رجلاً يصعد الجبل برجل واحدة، وهو معنا الآن في المخيم..

لقد رأيت امرأة مسنة يتجاوز عمرها السبعين وهي تضحك وتتسامر مع أصدقائها.. وهي في الخيمة المجاورة لي!

إنني أشعر بتحسن شديد على الرغم من الإعياء الذي أصابني في الأيام السابقة.. لقد وصلت إلى تلك المرحلة.. وقمة الجبل تقع الآن على بعد ليلة واحدة! فلم كل هذا التردد؟ هذا جبل! وهل هناك أجمل في الجبل من هيبة حوافه؟ أولا تطفي عليه حدة حوافه المزيد من الشموخ والغموض؟ أوليس هذا ما يشدني إليه؟

لا أدري كيف ترددت بداخلي جميع الأفكار في أقل من نصف دقيقة! تجاهلت مخاوفي وأكملت السير إلى البقعة التي اخترناها.. صرنا نلتقط الحجر.. الصغير منه والكبير.. حتى تكون جبلنا الصغير حاملاً معه وقع أقدامنا وخفقات قلوبنا وهمسات أذهاننا..

حان وقت النوم.. لن نبيت الليلة! سوف نبدأ التسلق نحو قمة كيليمنجارو في تمام الساعة ١٠:٤٥ دقيقة مساء.. وسوف يلينا باقي الفريق.. حتى نصل القمة عند بزوغ الفجر.. عليّ أن أصفي ذهني.. من كل شئ.. لا شئ يعنيني الآن.. أنا والجبل.. ودرجة الحرارة التي تصل إلى ١٥ درجة تحت الصفر..

كيليمنجارو.. يا من تسبح بحمد الله.. يا من تخشع وتتصدع لكلمات الله.. كن بي رفيقاً!

 

, , , , , , , , , , ,

2 تعليقان

اليوم الرابع: تعلّمت أن أطير..

 

فوق حائط برانكو.. تعلمت أن أطير

اليوم أشعر وكأنني إنسانة أخرى. قلبي يشرق كنور هذا الصباح الجميل.. شعرت بالدفء بين ذراعي الجبل على الرغم من الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة..

واليوم؟ اليوم تعلّمت الدرس جيداً. لا أتكبّر على ما يقدم لي من طعام. سآكله كمن لم تأكل من قبل. نظرت إلى النقانق ووضعت اثنين في صحني، ثم البيض، ثم اللحم، ثم الخبز… لا بأس من قليل من الطاعة إن كانت ستساعدني في البقاء على قيد الحياة.

بعد الإفطار شعرت بالطاقة تسري في جسدي.. انطلقت مع الفريق لتسلق حائط البرانكو. وهو حقاً حائط، يجب علينا تسلق الحجر الذي نلقاه بيدينا وأرجلنا حتى نصل إلى قمته، والتي تقع على ارتفاع ٤٦٠٠ متر، ثم نعود ونبيت في مخيم كارانجا على ارتفاع ٣٩٣٠ متر. كان هذا هو اليوم الثاني للتسلق التأهيلي.. حتى تعتاد أجسادنا وتتأقلم من الارتفاع الشاهق وقلة نسبة الأكسجين في الهواء.

ولكن بركة لم يسمح لي بأن أزيد من سرعتي فأتخطّاه. لقد كان يسير ببطء شديد وبخطوات قصيرة متعمداً حتى لا ننجرف بسرعتنا.  أصر على أن أبقى خلفه قائلاً: “جميل أن تشعري بالحيوية والنشاط الآن، ولكنك إن أسرعت ستشعرين بالإعياء بعد نصف ساعة فقط ولن تستطيعي الاستمرار.”

أطعته.. هذا يوم الطاعة.

ولم أندم. كنت أتلقى درساً كاملاً متخصصاً في فنون التحايل على صعوبة الطريق.. كيف أتسلق الحجر.. كيف أجد المكان المناسب لأمسك بالحجر فأرتفع، وأين أضع قدمي فأتكئ حتى أجتاز التحدي وأنتقل إلى الحجر الآخر.

وكلما ارتفعنا ازداد الحجر كبراً. وكأنني أتأهل تدريجياً من مرحلة إلى أخرى أكثر صعوبة..

وكأنني أسير على درب العمر.. فالحجر هو تلك التحديات التي نلقاها في حياتنا.. والتي تزداد صعوبتها كلما تقدم بنا العمر.. عند كل تحدّ يجب علينا التأني والتفكير ملياً قبل أن نجتازه.. علينا أن ندرس خطواتنا.. فنعرف أين تطأ أقدامنا.. وعلام نرتكز.. فإن كل خطوة قد تعني لنا إما أن نطير أو نسقط.. وقد أردت أن أطير..

كانت حماستي تملأني.. أعطيت كاميرتي لأحد زملائي كي يلتقط لي صورة وأنا أتسلق الحجر.. رفضت كل محاولات بركة في أن يساعدني إما بالإمساك بيدي أو بأخذ حقيبتي.. أردت أن أبدو خبيرة متمرسة في تلك الصورة!

واختار زميلي أكبر حجر وصلت إليه حتى تلك اللحظة فالتقط الصورة.. ولكنني سرعان ما انزلقت بعدها.. فقد شعرت فجأة بثقل حقيبتي.. وحين استشعرت الثقل فازت الحقيبة وجرتني إلى الخلف ففقدت اتزاني.. هنا جاء صوت بركة الحكيم وقد كاد أن ينفذ صبره: “لا أتعجب منك.. لقد فقدت تركيزك ولم يعد بخاطرك سوى تلك الصورة.. أصبح كل همك هو أن تبدين وكأنك خبيرة!”

ولكن بركة لم يفقد إيمانه بحماستي.. فقد استشعر حبي لتسلق الحجر.. فأراد أن يأخذني إلى طريق منفصل به حجر أكبر وأكثر صعوبة.. وصار يرشدني بدقة في كيفية اتخاذ خطواتي.. وكيف أتحسس الحجر لأجد المتكأ..

ونجحت.. وصلت إلى قمة الحائط.. وحدي.. وبحقيبتي الثقيلة.. ولم أشعر بأي نوع من الإعياء!

أكتب الآن والسعادة تغمرني.. ولكنني لا أشعر بأي رغبة في الطعام.. قيل لي أن ذلك طبيعي نتيجة الارتفاع الذي نمكث عليه.. وأن عليّ أن آكل على الرغم من أي شيء!

لم أعد أعرف إن كنت قد فقدت شهيتي نتيجة الارتفاع أم لأنني حقاً امتلأت! ولكنني سأستمر في تناول الطعام كلما قدّم لي.. فإن إبسون.. طبّاخنا الماهر.. لا يتوقف عن ترويعنا كلما رفضنا الطعام: “إن لم تأكلوا لن تصلوا إلى القمة. لا جبال لكم!”

رحماك ربي!

, , , , , , , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: