والتقينا فوق السحاب..

جزء من قمة كيليمنجارو كما بدا لي عبر النافذة

كانت الرحلة إلى نيروبي طويلة، سرقت معظم ساعات الليل .. ولكن كان الحماس قد ملأنا جميعاً فلم نكترث إن نمنا أو لم ننم .. ظللنا نتحدث جميعاً .. ٢٦ شخص على متن الطائرة جميعهم يتحدثون، ويتحركون، ويمزحون حتى أشفقت على من كان يجلس بجانبي وزميلتي .. سمع قصة حياتي وحياتها .. كان لكل منا فرصة أن يتعرف على الآخر .. ويسمع منه ما الذي جاء به نحو الجبل .. ولماذا يتسلق الجبل .. وهل سبق له أن فعلها؟

وصلنا إلى مطار نيروبي قرب الفجر .. كان المطار نائماً! لم أعهد مطاراً نائما بحياتي من قبل.. لا يوجد أحد من الموظفين على مكتبه .. وأمامنا ساعات من الانتظار.. ولكن مع بزوغ الشمس بدأت الحياة تدب فيه مرة أخرى.. وكان علينا أن نقل الطائرة الصغيرة التي ستحملنا إلى أروشا التي تقع على بعد ساعتين من الجبل. كانت خطواتنا الأولى إلى القمة تحت دفء أشعة الشمس الذهبية التي بدأت تخترق الظلام.. مشينا نحو الطائرة .. ولم أكن أعلم وقتها أن أشعة الشمس الدافئة ستظل دليلي نحو الحياة .. وستظل تدب الأمل في عروقي طوال تلك الفترة .. فكانت وظلت الشمس هي إشارة قربي من الهدف.

كم صغيرة هي تلك الطائرة، هل ستكفينا بمتاعنا؟ كان لسان حالي يقول وأنا أصعد على السلم الصغير بحذاء الجبل الضخم.. فقد اضطررت لارتدائه حتى لا يحتل مساحة كبيرة في حقيبتي..

حاولت أن أجد لحقيبة الظهر التي كنت أحملها مكاناً في الجزء المخصص لها في الطائرة وفشلت. لقد كانت الحقيبة أكبر من المكان ذاته، ولم تنجح محاولات كل من تطوعوا لمساعدتي من المتسلقين..

نعم متسلقين..

ويحي! أين أنا من هؤلاء؟ انظري إليهم أيتها البطلة الجسورة! كل منهم يبدو وكأنه يتسلق كل جبل يأتيه، بل يسافر على قدميه من مكان لآخر!

الكل هنا ذاهب نحو كيليمنجارو.. الكل يرتدي أحذية الجبال الخاصة ويحمل متاعه الخاص.. ولكن الكل يضع متاعه في المكان المخصص له في الطائرة ويكفيه.. إلا أنا! حقيبتي تفضحني وتفصح للجميع بأن هذه هي أول مغامرة لي من هذا النوع.

ازددت ارتباكاً.. دائماً يجدني الارتباك أينما كنت .. وإن كنت على فراشي..

جلست ووضعت حقيبتي بجانبي.. خالفت قوانين الطيران الدولية.. ماذا عساي أن أفعل؟ الحقيبة تحمل أغراضي وكلها مهمة..

لم تفارق عيناي النافذة. كنت أتشوق للقائه لأول مرة، وإن كانت من فوق الطائرة.. ملأ السحاب المكان.. فصرنا نحلق فوق بحر من السحاب الكثيف.. كانت السحب وكأنها أمواج جامحة تجمدت لحظة ارتطامها..

وبدأت قمم الجبال تظهر من بين السحاب.. كانت أشبه بالرؤوس السوداء التي تخترق السحاب الأبيض. كلما ظهرت قمة جبل نظرت إليها بشغف وسألت نفسي هل يمكن أن يكون هو؟ ثم أعود وأراجع ذاكرتي.. لا.. كيليمنجارو ليس بهذا الانحدار.. قمته عريضة ومنبسطة ويعلوها الثلج.

ترددت كثيراً أن أسأل من كانوا حولي.. لم يكن أحد منهم بحالة التأهب التي كنت فيها.. الكل بدا عليه الإرهاق ومعظمهم فضلوا النوم على متابعة رؤوس الجبال من النافذة وكأنها أحداث مثيرة.. لا أحد علت وجهه تلك الابتسامة العريضة البلهاء التي علت وجهي طوال الوقت.

وظهرت قمة ضخمة سوداء.. هل يكون هو؟ لم أعد أتمالك نفسي. توجهت بابتسامتي تلك إلى أحد أفراد الطاقم وسألته.. قال لي: “كلا سيدتي.. سيظهر جبل كيليمنجارو في الجهة الأخرى.”

حتى تلك اللحظة لم أكن قد رأيت قمة أكبر منها.. وأعرف أن كيليمنجارو هو أعلى قمة في أفريقيا.. أعلى من هذه؟؟ وعليّ أن أتسلق لأصل إليها؟ أنا؟؟

وفجأة تحرك جميع من في الطائرة نحو الجهة الأخرى وصاروا يمحلقون بدهشة عبر النافذة وقد اتسعت أعينهم في ذهول.. الآن الكل فقد اتزانه الذي أصابني بالارتباك.. الآن الكل مرتبك.. لا أحد يصدق ما يرى..

نظرت بتردد.. وكأنني أردت أن أغمض عيني حتى أكون أمامه ثم أفتحهما فجأة لأراه وحده.. ولا يملأ نظري سواه..

لم أصدق ما رأيت.. لقد بدا جبلاً كاملاً شامخاً يطفو فوق السحاب.. تستحيل رؤيته عبر نافذة واحدة.. كتلة ممتدة هائلة سوداء متوجة بالثلج .. ويحيط به السحاب راكعاً تحت قدميه.. يدلل أطرافه بأمواجه البيضاء التي سرعان ما تعود وتخشع إلى مكانها تواضعاً لعلوّه..

اقشعرّ بدني.. وشعرت بنبضات قلبي تتباطأ.. وكأن الصمت الذي أصابني كان أشبه بالحالة البدنية.. لقد صمت جسدي بأكمله وأدرك صغره وضآلته.. وكأني حين نظرت إليه صرت أرى ضعفي بوضوح لم أعهده من قبل.. فلم يكن قد سبق لي أن واجهت تحد بدني وذهني مباشر متجسد أمامي بهذه الصورة الصارخة..

أحببته.. لقد امتزج خوفي بلهفة تشدني إليه .. لم أعد قادرة على أن أحيل نظري .. تسمّرت في مكاني ولم أعد أكترث بمن كانوا يجلسون عند نوافذ الطائرة الصغيرة التي كنت أمحلق عبرها وقد انفرج فوهي بلا عودة.. صرت أنظر إليه حتى مرت الطائرة واستحال النظر إليه..

عدت إلى مقعدي الفارغ. أغمضت عيني فرأيته.. كنت خائفة.. ولكنني ابتسمت وصرت أحدثه في مخيلتي..

هكذا سيكون حالي معك .. سأسعى نحوك بكل ما أوتيت.. حتى تستحيل أنت عني..

, , , , , , , , , , ,

  1. أضف تعليق

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: