ساعات قليلة

 

 

أمتعتي المرتبكة

 

ساعات قليلة ويتحول الحلم إلى حقيقة.. هأنذا أرتب أمتعتي وأحاول الاختصار فيها بقدر المستطاع لأستعد للسفر.. هذه المرة سفري لن يكون إلى بلد آخر فقط، بل سأخرج من القضبان التي تحيطني .. تلك البنايات الشاهقة القبيحة التي جمعت تراب السنين وتلوث الهواء والعيش.. تلك السيارات المزعجة ذات البوق الذي لا يتوقف.. سأخرج من كل هذا.. بل سأخرج من نفسي.. وألقي بها في الغيب..

شهور طويلة وأنا أستعد لتلك اللحظة، وحين أتت لا أدري كيف أعيشها الآن دون شعور.. فقط أعيشها.. ربما لأنني لا أصدقها ..

ربما حين أجد نفسي أمامه سأصدق.. سأنظر إليه.. وسيراني.. وسيأخذني بين ذراعيه الشامختين.. سأعيش بين أحضانه لأيام وليال.. لا أفكر سوى فيه .. وسيحويني .. ويحيطني .. ويملأني ..

طال انتظاري وشوقي .. وتعلمت الصبر .. وتعلمت التضحية .. إلى أن جاء يوم الاختبار ..

ويحي! هل أعي ما أفعل؟ أحقاً أنا مستعدة لما ينتظرني؟ من أين لي بكل هذه الجرأة؟ من يصنع هذا الصنيع إلا كل مغامر؟ ومن أين لي بروح المغامرة تلك؟

وهل سيقبلني؟ هل سيسمح لي؟

دق الهاتف .. صديقتي ..

“هل أنت متأكدة مما تفعلين؟ هل هذا هو ما تريدين حقاً؟”

علا صوتي بالبهجة .. وتحدثت بثقة لم أعهدها من قبل. “لو تعلمين كم أريد ذلك!”

لقد أحببته دون أن أراه .. اكتفيت بالنظر إليه في الصور.. وبالاستماع عنه في كل فرصة أتتني .. أحببته وازددت شوقاً إليه دون أن ألقاه .. فماذا لو التقيته؟

منذ طفولتي وقد كان العشق في قلبي .. كلما رأيت أحدهم لا أستطيع الالتفات عنه. كنت أطيل النظر إليه وتملأني الرهبة .. وتتسمّر عيني تجاهه .. أخافه وأحبه ..

لم يخطر ببالي يوماً أنني ستتاح لي فرصة أن أخطو بقدماي فوق الجبال .. لا يحول بيني وبينها شيئاً .. لا تؤنبني أمي الملتاعة خوفاً عليّ، ولا يمسك بيدي أبي ويحملني فيحول بيني وبين ثراها ..

فقط نحن .. الجبل وأنا .. أخطو بقدمي عليه وأسمع صوت الرمال من تحتي .. وتناديني الطيور من أماكن بعيدة .. ولا أسمع حولي سوى الصمت .. والجبل!

ساعات قليلة وآترك وسادتي الناعمة وفراشي، أحزم أمتعتي وأتوجه إلى الطائرة التي تقلني إلى نيروبي، ومنها إلى أروشا بتانزانيا، حيث جبل كليمانجارو .. أعلى قمة في أفريقيا .. وأعلى جبل مستقل في العالم.

لا أعرف ماذا أتوقع في هذه المغامرة سوى ما حكي لي من حكايات من سبقوني نحو ذلك الجبل. لذا لم يكن أمامي سوى أن أكون مستعدة بقدر ما أستطيع من أدوات وملابس تلائم طبيعة النشاط وطبيعة البيئة والطقس في المكان. ويظل الغيب غيباً مجهولاً لن تكشف عنه سوى التجربة الفعلية. فتسلق الجبل هو تجربة تخص صاحبها.. لا يشاركه فيها أحد.. ما شعر به غيري قد لا أشعر به، وما قد ألاقيه من سهولة أو عناء قد لا يلاقيه غيري .. لذا لا أخفي كم كنت أشعر بالارتباك كلما فكرت في ذلك المجهول.

منذ عزمت تسلق جبل كليمنجارو جافاني النوم. كنت أسهر ليال طويلة أسأل نفسي لم كل هذا الحماس؟ هل أنا مستعدة؟ ماذا ينقصني؟ كيف أدبر أمري؟ كانت دقات قلبي تتسارع كلما تصورت نفسي وأنا أخطو ببطء شديد وحذر على ارتفاع آلاف الميترات.. وكأنني قد اكتشفت عشقاً قديماً بداخلي يرنو إلى النور.. وها قد وجد طريقه إليه.. وها قد حان وقت سلوك ذلك الطريق..

هناك ما يجذبني إلى تلك القمة ..

في صورته يبدو لي الجبل هادئ الطباع .. هو جبل شامخ ولكنه واسع يملأ الأرض من حوله .. لا يحتاج تسلقه سوى القدمين وعصا الاتكاء على الأرض. ولكن القمة تقع على ارتفاع ٥٨٩٥ متراً فوق سطح البحر.. وهو ارتفاع تحليق الطائرات. وللمرتفعات تأثير سلبي على الجسد حيث تقل نسبة الأكسجين في الهواء .. فيتعطل نشاط العضلات وقد تتأثر بعض أجهزة الجسم في عملها الطبيعي ..

ولكنني لا يسعني سوى الهواء .. والماء .. والسحاب .. لا أجد المتعة بقدر ما أجدها بين جبال سيناء .. بين جبال جنوب لبنان .. بين جبال الألب .. أو بين جبال الحجاز ..

لا يسعني سوى الجبال .. وسأذهب إلى كيليمنجارو .. وليسعني ..

 

, , , , , , , , , ,

  1. #1 by محمد حسين بزي on أكتوبر 7, 2010 - 10:48 م

    “ولكنني لا يسعني سوى الهواء .. والماء .. والسحاب .. لا أجد المتعة بقدر ما أجدها بين جبال سيناء .. بين جبال جنوب لبنان .. بين جبال الألب .. أو بين جبال الحجاز ..
    قرأتُ نصاً قد سحرني.. من أوله لآخره، هذا ما لم أعهده في همتي. لكن يبدو أن سحر “ك…يليمنجارو” وصل لبنان وجنوبه، ووصَلهُما.

    لا يسعني سوى الجبال .. وسأذهب إلى كيليمنجارو .. وليسعني ..”
    …………………………………………………………….

    قرأتُ نصاً قد سحرني.. من أوله لآخره، هذا ما لم أعهده في همتي. لكن يبدو أن سحر “كيليمنجارو” وصل لبنان وجنوبه، ووصَلهُما.

    • #2 by Arwa Mahmoud on أكتوبر 7, 2010 - 11:56 م

      أعتز بكلماتك أستاذي .. فإبداعك دائماً يلهمني

      كم سررت بمرورك

      دمت غالياً مبدعاً كعادتك 

  2. #3 by Zenat on أكتوبر 8, 2010 - 1:00 م

    امتاع وابداع يا اروي … استمري … ننتظر المزيد يا ست البنات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: