أرشيف لـ16 أكتوبر, 2010

اليوم الثالث: رأيت ضعفي..

 

قمة كيليمنجارو كما تبدو لي وأنا أكتب.. تصوير عمرو مرعي

اليوم كنت في عصر الجاهلية أسبح في الصحراء .. أطلب الغوث ولا أجد الدليل إلى النجاة!

هكذا شعرت معظم اليوم.. اليوم كان علينا أن نبدأ التسلق التأهيلي للمرتفعات… حيث كان علينا أن نصعد إلى ارتفاع شاهق يبلغ ٤٧٠٠ متر، نرتاح قليلاً ثم نعود ونبيت في مخيم بارانكو، والذي يقع على ارتفاع ٣٩٥٠ متر. ولدينا غداً تسلق مثيل.. الهدف هو أن نعرّض أجسامنا لارتفاعات جديدة حتى يبدأ تأقلمها على انخفاض نسبة الأكسجين فتتعزز قدرة تحملها في هذا الارتفاع..

اليوم انتقلنا في رحلتنا إلى إقليم صحراوي جديد.. فقد قلّت نسبة الزرع وانتشرت الصخور في كل مكان.. وكأنني على كوكب آخر لا يمت للغابة الغنّاء التي بدأنا رحلتنا فيها بأي صلة..

اليوم تعلّمت أن أحترم كل كلمة أسمعها من أي من يسبقني خبرة.. بل وأتّبعها بكل دقة وأنفذ كل شئ.. بدون أسئلة.. ولا داعي للاقتناع.. الطاعة العمياء أو الموت والفناء!

منذ اليوم الأول ترددت علينا إرشادات الفريق بأن أهم ما يجب علينا فعله اتقاءً للتأثير السلبي الذي يمكن أن يسببه الارتفاع هو أن نأكل ونشرب بصفة مستمرة.. وألا نبخل على أجسادنا بجميع العناصر الغذائية وبكمية وافرة.. فإن تسلق الجبل يمكنه أن يستنفذ طاقة الإنسان إلى أبعد مدى..

استيقظت نشطة وسعيدة وبدأ استعدادي اليومي للرحلة. دخلت خيمة الإفطار فوجدت نقانق.. بيض.. لحم!! قلت: “كيف لي أن أبدأ في التسلق وقد تناولت إفطار كهذا؟ مستحيل!” واكتفيت بقطعة خبز واحدة مع بعض العسل.. وكأنني أبدأ يوماً عادياً أقضيه داخل سيارتي وسط زحام القاهرة.. فلا أتركها إلا لأصعد بناية بالمصعد ثم أدخل فأجلس..

عادي يعني!

حرصاً مني على إسكات ضميري استمعت إلى إرشادات بركة بأن أتحرك ببطء.. وفعلت.. ولكن ذلك لم يكن كافياً، ومع تقدمنا في المسير نحو برج لافا، حيث الهدف، بدأت أشعر بضغط شديد حول رأسي تسرب إلى عيناي.. فسيطر علي شعور عجيب بأن عيناي ستنفجران!

نفس عميق… هذا ما علمتني نادية صديقتي وعمر منظم الرحلة… نفس عميق لاستيعاب المزيد من الأكسجين..

لحظة! لقد اختلف الشعور الآن! الآن صرت أشعر بدوران.. وصار النعاس يغلبني! كيف يغلبني النعاس وأنا أسير على قدمي وأحمل حقيبة لا يقل وزنها عن ١٠ كيلو والشمس تملأ المكان؟

الآن حان وقت المعركة مع العقل.. علي أن أسكت الوساوس والهواجس التي بدأت تهاجمني.. صار عقلي يلوح لي بعدم قدرتي على الاستمرار.. صار يخيفني من الارتفاع.. “أتظنين أنك نجوت من خطورة الارتفاعات؟ أي مرتفعات؟ الآن حان وقت المرفعات! والآن بدأ تأثيرها الفعلي عليك.. ماذا ستفعلين يا مسكينة؟” صرت أحاول أن أتجاهله وأنظر حولي في الصخور و أتنفس.. المزيد من النفس العميق.. هذا ليس تأثير المرتفعات.. هذه الشمس! نعم هي الشمس.. نحن الآن وقت الظهيرة وأشعة الشمس الحارقة تقترب كلما ارتفعنا..

زاد الإعياء فطلبت الراحة.. جاءني جوزيف وسألني بم أشعر.. قلت له أشعر بدوران ونعاس.. لا بد أن ذلك من تأثير الشمس..

“لا.. هذا تأثير الارتفاع.”

شكراً جوزيف.. ناصرت عقلي علي وأفشلت كل محاولاتي..

واكتمالاً للعنتي.. بحثت في الحقيبة ولم أجد أياً من مأكولات الطاقة التي كنت قد أحضرتها معي! نعم.. هذا هو اليوم الذي قررت فيه أن أكون “خفيفة”! آكل أكلاً خفيفاً وأختصر المتاع! تباً لي!

اكتفيت ببعض الماء وقطعة من الشوكولاتة ونهضت لاستكمال المسيرة..

استمر الدوران.. ثم بدأ يتحول تدريجياً إلى شعور عجيب وكأن رأسي يسبح في الهواء منفصلاً تماماً عن جسدي.. ثم بدأت أرى أناساً وأشخاصاً ليسوا موجودين! كنت أراهم يتحدثون ويضحكون.. ثم أعود وأستفيق فأجدني وحدي مع جوزيف وبركة.. هذا هو بوضوح إعياء الارتفاع..

في تلك اللحظة.. وكأن جسدي قد استلم زمام الأمور.. وجدت نفسي لم أعد قادرة على مقاومة النعاس.. قررت أن أسترق اللحظات التي لا يكون فيها جوزيف ملتفتاً لي وأغمض عيني وأحاول أن أنام وأنا أسير.. صار جسدي مرتخياً تماماً وبدأت أتصور نفسي مستلقيةً على فراشي في منزلي بالقاهرة.. نائمة في سبات عميق..

واشتد السعال.. ولم تثبت نظريتي أن جفاف الهواء سوف يخفف من وطأته.. بل صار صوتي يمتد أميالاً حتى سمعني أحد أفراد الفريق وعلّق عليه!

ثم أصبحت خطواتي أكثر صعوبة.. فصرت آتنفس بصعوبة أكثر وكان علي أن أقصر من خطواتي.. والتي كانت قصيرة في حد ذاتها!

في طريق العودة عاد الزرع وسيطر الضباب على المكان.. هذه أشجار إمبيشنز كيليمنجاري.. خاصة بجبل كيليمنجارو

عندما وصلت أخيراً إلى مخيم بارانكو توجهت فوراً إلى الخيمة.. أردت أن أكون مع نفسي.. ثم قلت لا.. علي أن أجتمع بالآخرين فأشاركهم الضحك والسمر.. تلك هي الطريقة الأمثل لمقاومة هواجس نفسي.. آخر ما أتمناه هو أن يتملكني الخوف أو أن يتملكني شعور بالضعف والعجز.. إن انتصر علي هذا الشعور انهزمت أمام نفسي.. ولا أعرف ماذا يمكن أن يعيد إلي عزيمتي..

حاولت أن أبدل ملابسي فنظرت إلى الحقيبة وفوجئت بأنني لم أعد أستطيع التعرف على الأشياء! بل وجدت أن يدي أضعف من أن تمسك بها!

تملكني البكاء لحظة مرور جوزيف للاطمئنان على حالتي.. لكنه حين اختبر نسبة الأكسجين في دمي ومعدل ضربات القلب وجد أن كل شئ مازال طبيعياً..

سألني “لماذا تبكين إذاً؟”

كنت أبكي لأن معركتي مع نفسي قد أرهقتني.. وأعيتني..

كم أنا ضعيفة! أم قوية؟ لا أدري.. لقد أراني الجبل ضعفي.. بل قذف به في وجهي.. انظري إلى حالك.. هذا هو الإنسان.. قد يأتيه يوماً فلا يجد القدرة على أن يخطو الخطوة الواحدة.. ولكنني أكملت! لقد استمرت هذه المعاناة اليوم لمدة عشر ساعات! أليست هذه قوة؟ ربما هي مجرد محاولة للاستمرار لا أكثر.. ترى ماذا سيحل بي الآن؟

أكتب الآن والساعة تقترب من الثانية ١٢ في منتصف الليل.. أجلس خارج الخيمة وأنظر إلى قمة كيليمنجارو.. ها هي تشرق أمامي ويعلوها الثلج.. وقد خفّ الضباب الذي كان يملأ المخيم.. النجوم تعلوني ولكنها قريبة.. قريبة جداً أكاد أمسكها بيدي!

وها هو الجبل بذراعيه يحتضن المخيم.. أشعر أنه يحتضنني ويربت على كتفي.. فقد رآني وأنا أوشك على الانهيار.. ولكن عشقي دفعني إلى أن أكمل.. وكأن دمي الآن صار يجري في عروقي مرة أخرى.. ولكنه يجري حاملاً معه لغة الجبل..

نعم.. لقد تعلمت لغة كيليمنجارو.. صارت تسري في دمي.. صرت والجبل واحداً.. يعرفني وأعرفه.. يحبني وأحبه..

 

, , , , , , , , , ,

3 تعليقات

اليوم الثاني: ربي وربك الله..

صرنا فوق السحاب

بدأت محاولات التأقلم مع الحياة فوق الجبل منذ المرحلة الأولى.. فقد أودعت حياتي وكل ما حملت معي من عادات عبر السنوات الطويلة في المنزل وتركتها كاملة خلفي.. وكأنني قد أحرمت وعزمت التوجه إلى بيت الله.. ولا أرى هنا فارقة.. فالحاج إلى ملكوت الله ليتأمل في خلقه كالحاج إلى بيته الحرام.. فالكون كله لله يصرفه كيف يشاء..

كان المخيم الأول هو مخيم ماتشامي، والذي يقع على ارتفاع ٣٠٠٠ متر. عند وصولنا إليه بدأ الفريق تحيته وتهنئته لنا على الوصول.. وملأت الأجواء رقصاتهم وأنشوداتهم التي لم نفهم منها سوى “كيليمنجارو”، “جامبو” وهي التحية، و”هاكونا ماتاتا” والتي تعني “لا بأس”، أو بلغة التحدث “ما فيش مشكلة.. كله تمام.”

وكان موعد تلبية نداء الطبيعة.. والذي ظل دائماً تحدياً في ذهني.. نظرت حولي لأجد مكاناً خالياً أو شجرة ما أختبئ خلفها فلم أجد.. توجهت إلى جوزيف، رئيس الفريق، فدلني على ما أسماه “الحمام المحمول.” ما أروع تلك المفاجأة! كانت لدينا خيم صغيرة زرقاء خاصة تنصب عند وصولنا إلى كل مخيم، وبها مقعد خاص متنقل.. حين رأيته شعرت وكأنني أميرة تنعم بكل وسائل الراحة المتنقلة..

ولكنني كنت أميرة بأظافر متسخة وقد ملأت جيوبها محارم اسودت من شدة التراب المترسب على وجهها وكفيها! فقد كانت أرض الجبل محملة بالطمي والأتربة التي تتصاعد في الهواء حول المخيم مع وقع كل قدم. فكنا نمشي وسط تلك الأتربة بل ونتنفسها.

وكما كان علينا أن نلبي نداء الطبيعة في تلك الخيم الصغيرة، كان علينا أيضا أن ننام في خيم صغيرة. كانت خيمتنا أنا وصديقتي نورا صغيرة يستحيل الوقوف فيها.. وكلما دنا الليل اشتدت البرودة.. وضعت كيس نومي بجانب كيسها على أن نضع أغراضنا حولنا فنستفيد من حرارة أجسادنا، ربما نبعث الدفء لبعضنا البعض.

ليلة موحشة..

قمة جبل ميرو تسبح فوق السحاب

كانت تلك هي أول ليلة لي فوق سطح الجبل.. داخل الخيمة المتواضعة.. وقد أحكمت غلق كيس النوم من جميع الجهات حتى لا تتسرب البرودة إلى الداخل. أغلقته حتى اختفى وجهي وأصبح من الصعب علي أن أعي ما تقوله لي نورا وهي تحدثني. وحين نامت هي قضيت ما لا يقل عن ساعة أو أكثر أحاول النوم وقد ازداد السعال كعادته في كل ليلة. وكلما اشتد السعال شرد ذهني فيما ينتظرني.. فقد كانت تلك هي أول ليلة وكانت شديدة البرودة، فكيف سيكون بنا الحال غداً وبعد غد حين نصعد إلى المخيمات الواقعة على مرتفعات أعلى؟

وماذا عن الارتفاع؟ من المعروف أن الارتفاع لا يبدأ بتأثيره السلبي على الجسد إلى ما فوق ٣٠٠٠ متر. ولكن ذلك لم يمنعني من أن أشعر بنبضات قلبي ترتفع.. وقد بدأ التنفس يصبح أكثر كثافة من الطبيعي، وكأنني ألهث ولكن بلطف..

وبينما كنت أتقلب مع أفكاري وهي ترتطم هنا وهناك غلبني النعاس.. ثم فجأة استيقظت على صراخ في الخيمة المجاورة..  كانت لبنى تتقيأ وتصرخ من شدة الألم وبدا صوتها وكأنها تختنق.. فزعت لمجرد التفكير بما قد يكون قد حدث لها.. هل يمكن أن يكون للارتفاع ذلك التأثير المفجع المفاجئ؟ هل ستعود لبنى ولن تكمل؟

زحفت خارج الخيمة (فلم يكن لي أن أهرع مسرعة وإن أردت لصعوبة المخرج والمدخل) وقد ارتديت ما استطعت من ملابس ظننت أنها تقيني من البرد الذي ينتظرني بالخارج. لم يكن هناك مجال أن أفعل شيئاً أكثر مما كان قد فعله غيري.. فقد اتضح أنها أصيبت بوعكة ناتجة عن طعام فاسد كانت قد تناولته بالفندق في الليلة الماضية.

حسناً.. ثبتت إذاً براءة الجبل.. ولكن الإرهاق الشديد والرعشة التي سرت في جسدي نتيجة البرد القارس ملآني بالرهبة والخوف.. أشفقت من الأيام المقبلة.. سبحانك ربي كم يبدو لي صعب هذا الجبل.. بل كم يبدو لي صعب كل شئ هنا.. هذه ليست نزهة وأبداً لن تكون.. علي أن أحترم هذا الجبل أكثر مما توقعت.. الآن صرت أستحضر خطورته حقاً.. وليس استحضارها كمجرد التفكير فيها..

انكمشت داخل كيس النوم وقد أعدت إحكام إغلاقه.. وظلت الرعشة في سائر جسدي لفترة لم أعيها.. ثم عاد الدفء ليتسرب إلي مرة أخرى ببطء شديد..

ثم بدأ ذهني يهدأ قليلاً.. لم الخوف؟ ألم تُذكر الجبال في القرآن؟ ألم يتجلى الله سبحانه وتعالى فوق الجبل؟ أوليس الجبل ليخشع.. بل ويتصدع من خشية الله إن نزل عليه القرآن؟

شعرت بالسكينة عند تذكر تلك الآيات.. أغمضت عيني وهمست.. ربي وربك الله..

ونهار مشرق..

مخيم شيرا.. يبلغ ارتفاعه ٣٨٠٠ متر

أجلس الآن على ارتفاع ٣٨٠٠ متر.. تحت شجرة جميلة في مخيم شيرا. أنظر أمامي فأرى بحراً من السحاب تخترقه قمة جبل ميرو.. فيبدو الجبل وكأنه يسبح بين أمواج بيضاء.. لا أملك الكلمات التي يمكن أن تصف الجمال الذي يحيطني من كل جانب..

كانت رحلة تسلقنا اليوم تخترق السحاب.. صرنا نسير بينه حتى أصبحنا الآن فوقه.. فصرت لا أرى تحتي سوى ذلك البحر الأبيض الذي أتوقع أن يلزمني حتى آخر الرحلة..

شعرت اليوم وكأن مجموعتنا تزداد صلابة وتعاون بين أفرادها.. هكذا تكون الحياة فوق الجبال أو في عمق الصحراء.. حين نحاط بملكوت الله وتنجرف همومنا على عتبة ذلك الملكوت.. فلا نفكر سوى في يومنا.. نهارنا.. وليلنا.. وخطواتنا البطيئة.. حينها نتساوى جميعاً في همومنا وأحزاننا.. لقد صرت أستشعر حلاوة تحقيق الهدف.. وأعي تماماً أنه سيستحيل إن لم يؤازر بعضنا البعض.. وكأن كل منا صار يعي تلك الحقيقة، سرنا معاً في خط واحد ونحن نتبادل الضحكات والأنشودات..

كنت أول المتسلقين في الخط الممدد.. كان أمامي المرشد، اسمه بركة.. كان لبركة أسلوب مميز في التسلق.. فكان يصر على الخطوات البطيئة والتروي عند كل خطوة.. ولكنني غلبني الحماس حين وجدت الجميع ينشد بصوت واحد.. أردت أن ألتقط تلك اللحظة بكاميرتي.. فكنت أسير خلف بركة وأنظر خلفي وأحاول التصوير.. حتى كدت أقع.. حينها حدثني بركة بحسم: “انتبهى! انظري هنا!”

رأيت حجر ضخم كان يتطلب مني أن أنسى كل شئ وأستخدم الأربع حتى أتخطى تلك العقبة.. وفعلت فتخطيتها..

حين أسير خلف بركة أشعر وكأنني أتلقى درساً في لغة الجبال.. فهو يعلمني كيف وأين أضع قدمي على الأرض الوعرة.. أين أمسك بيدي فوق الحجر لأرتفع فوقه.. والأهم هو التروي.. التروي في كل شئ.. وإن كنت أشعر بنشاط يسمح لي أن أتسع بخطواتي..

لا ليس التروي.. بل هو الصبر..

وهأنذا الآن أجني ثمار ذلك الدرس.. فإنني أشعر بنشاط فوق العادي.. تنفسي طبيعي جداً على الرغم من السعال الذي لا يتوقف.. ولكن إن كانت على يميني محارم كثيرة تفضح سعالي.. فعلى يساري طائران يتحاوران ويؤنسان جلستي.. وأمامي تغرب الشمس وكأنها تسقط بين السحاب..

فهل ينقصني شئ؟

, , , , , , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

اليوم الأول: رويداً.. رويداً..

 

كان علينا تسجيل أسمائنا وجنسياتنا فور الوصول عند مدخل ماتشامي

عند وصولنا في أروشا كان علينا أن نستمع إلى حديث أحد المنظمين للرحلة عن الجبل وعما يمكن أن نتوقعه خلال رحلتنا، من حيث طبيعة الجبل وطقسه، وأيضا من حيث الارتفاع وكيفية التعامل معه بحكمة لتجنب ما قد يسببه من أضرار. كان علينا تناول أقراص Diamox منذ الليلة الأولى وحتى بلوغ قمة الجبل، وهي أقراص عادة ما يتم تناولها عند تسلق الجبال حتى تقي الجسم من الأعراض التي قد تسببها الارتفاعات الشاهقة، والتي قد تؤدي إلى فشل المهمة وحتمية العودة دون تحقيق الهدف. كان علينا تناول تلك الأقراص منذ الليلة الأولى لأن مدخل الجبل، والذي يسمى ماتشامي، يقع وحده على ارتفاع ١٨٠٠ متر فوق سطح البحر.

غلبني الحماس وتناولت قرصا كاملا في الليل. ويا لها من ليلة. لا أعرف إن كان الدواء هو السبب، والذي أدى إلى زياراتي المتكررة للمرحاض، أم أن حماسي المفرط منعني من النوم. ظلت الأفكار تتقلب في رأسي.. أفكر فيما ينتظرني.. ثم تنتابني الوسوسة.. فعلى الرغم من العدد الهائل من التطعيمات التي تناولتها قبيل سفري، رفضت أن أتناول أقراص المالاريا، آثرت ألا أتناول سوى الDiamox حتى لا أصاب مرة أخرى بحساسية الجلد التي كادت تقتلني منذ شهرين. كذلك قيل لي أن الملاريا لا تشكل خطراً في تلك الرحلة تحديداً لأننا سنقضي معظم وقتنا على ارتفاع لا يتواجد فيه البعوض المسبب للمرض.

ولكن من أين لي بعقل سليم الساعة الثالثة صباحاً وأنا لا أنام؟ كانت تلك هي فرصتي الوحيدة للنوم والراحة على فراش قبل بدء المغامرة وها أنذا أقضيها بين وساوسي.. هل وضعت الدواء الواقي من البعوض جيداً؟ هل الشبكة الواقية التي تحيط بالسرير محكمة؟ لحظة! ما تلك البرودة؟ الشبكة! تأكدي من الشبكة!! ما هذه الزيارات المتكررة للمرحاض؟ من أين لي بمرحاض في ليالي الجبل الشديدة البرودة؟ ماذا فعلت بحالي؟ ماذا أحاول أن أثبت؟ ولمن؟؟

أضف إلى ذلك السعال الشديد الذي كان قد أصابني قبل سفري ببضع أيام.. كلما توترت أعصابي زاد السعال وأشفقت على صديقتي التي كانت تشاركني في الغرفة.

كدت أجن تلك الليلة لولا أن غلبني النوم أخيراً ولكن لمدة ساعتين فقط. حمدت الله عليهما على كل حال.. حقاً كدت أجن لولاهما..

على غير ما توقعت كنت أشعر بنشاط كبير صباح اليوم التالي.. توجهنا جميعاً إلى الحافلة التي ستنقلنا إلى مدخل ماتشامي.. والذي يقع على بعد ساعتين من أروشا.

كلما اقتربنا من الجبل زادني الحماس وتسارعت دقات قلبي.. هأنذا أقترب منك بجسدي.. الحافلة هي آخر ما لدي.. أتيتك بلا شئ سوى قدمين وروح ترنو إلى الحرية وقلب يخفق عشقاً وشوقاً إليك.. هل تقبلني؟

كان الجبل يتمنع عني.. فالسحب كثيفة جداً ومنخفضة فاستحالت علي رؤيته بوضوح.. ولكن كلما اقتربنا وانكشف جزء من السحب كنت أرى جزءاً منه.. سد منيع من الحجر الأسود.. أدركت أنه لولا السحاب لما رأيت سوى ذلك السد.. ولامتنعت عني السماء.. وكأنني حقاً أذوب بين ذراعيه..

وجاءت لحظة النزول إلى الأرض. من الآن فصاعداً لا توجد مركبات ولا حافلات.. أنا وقدمي حتى أصل إلى القمة إن استطعت.

هكذا بدا الطريق.. هكذا يستقبل كيليمنجارو ضيوفه

كان مدخل ماتشامي هو بداية طريق ماتشامي، وهو أحد ٦ طرق يمكن أن يسلكها المتسلق نحو القمة. تتراوح من حيث طولها وصعوبتها.. ويعتبر طريق ماتشامي هو الأكثر جاذبية لدى معظم المتسلقين لأن مزاياه عديدة. فهو طويل بالمقارنة بغيره، مما يتيح الفرصة لتأقلم الجسد على الارتفاع الشاهق، كما أنه من أجمل الطرق من حيث الطبيعة الخلابة التي تملأ الجبل في كل مستوى يمكن الوصول إليه.. من أشجار نادرة لا ترى في أي بقعة في العالم سوى فوق كيليمنجارو، إلى جداول المياة التي يعطي خريرها راحة وطمأنينة يكون المتسلق في أمس الحاجة إليها.. وعلى الرغم من ذلك فقد صنف ذلك الطريق على أنه يتراوح بين متوسط إلى صعب من حيث كثافة الأرض وطبيعتها.. وهو أمر مهم لأي متسلق لأنه يؤشر إلى راحة القدمين من عدمها.. والقدمين هما رأس مال المتسلق الوحيد فوق الجبل.

كم كان جميلاً استقبال كيليمنجارو.. وجدتني أمشي في طريق بسيط وممهد وسط غابة من الأشجار وتغريد الطيور.. كنا نصعد في ذلك الطريق على انحدار بسيط متوجهين إلى المعسكر الأول على ارتفاع ٣٠٠٠ متر. كانت مجموعتنا تتكون من ٢٦ متسلق برئاسة عمر سمرة، وهو أول مصري وأصغر عربي يبلغ قمة جبل إيفرست. رفقنا في تلك الرحلة ٢٠ مرشد للجبل وما يقرب من ٨٠ مساعد لحمل الطعام والخيم والأثاث البسيط.

كنا جيشاً كاملاً يتحرك فوق الجبل.. وكان الهدف من كثرة عدد المرشدين هو ألا يظل أي من المتسلقين وحده فوق الجبل لأي ظرف. فمن المعروف أن سرعة المتسلقين تختلف وتتراوح.. والبعض قد يشعر بالتعب إن غيّر سرعته ليلحق بغيره أو ليتباطأ انتظاراً لغيره. فكان الهدف هو أن يسير الجميع بسرعتهم التي يرتاحون إليها وحتى لا يحرم أحد من متعة التجربة.

كان فريق العمل في غاية اللطف. ظلوا يترددون علينا ويعرفوننا بأسمائهم.. بل كان الجميع فوق الجبل، سواء كانوا من فريقنا أم من غيره، يرحبون بنا بابتسامة لطيفة ويحدثوننا بلغتهم: كاريبو تانزانيا .. مرحباً بكم في تانزانيا!

ثم الكلمة المعهودة التي أصبحت أشبه بالقانون المتعارف عليه بين متسلقي كيليمنجارو: بولي بولي.. رويداً رويداً.. فهو القانون الأول الذي يجب على الجميع اتباعه إن أرادوا أن يبلغوا القمة. فلن يفلح من يحاول أن يستعرض قدراته ويسرع بخطاه.. ولن يفلح من ظن أنه في تحد مع الجبل.. فالتحدي الوحيد هو للذات.. والبطولة الوحيدة هي بطولة الصبر والتجلد..

كانت تلك هي لغة كيليمنجارو.. وكان علي أن أتعلمها..

 

, , , , , , , , , ,

أضف تعليق

والتقينا فوق السحاب..

جزء من قمة كيليمنجارو كما بدا لي عبر النافذة

كانت الرحلة إلى نيروبي طويلة، سرقت معظم ساعات الليل .. ولكن كان الحماس قد ملأنا جميعاً فلم نكترث إن نمنا أو لم ننم .. ظللنا نتحدث جميعاً .. ٢٦ شخص على متن الطائرة جميعهم يتحدثون، ويتحركون، ويمزحون حتى أشفقت على من كان يجلس بجانبي وزميلتي .. سمع قصة حياتي وحياتها .. كان لكل منا فرصة أن يتعرف على الآخر .. ويسمع منه ما الذي جاء به نحو الجبل .. ولماذا يتسلق الجبل .. وهل سبق له أن فعلها؟

وصلنا إلى مطار نيروبي قرب الفجر .. كان المطار نائماً! لم أعهد مطاراً نائما بحياتي من قبل.. لا يوجد أحد من الموظفين على مكتبه .. وأمامنا ساعات من الانتظار.. ولكن مع بزوغ الشمس بدأت الحياة تدب فيه مرة أخرى.. وكان علينا أن نقل الطائرة الصغيرة التي ستحملنا إلى أروشا التي تقع على بعد ساعتين من الجبل. كانت خطواتنا الأولى إلى القمة تحت دفء أشعة الشمس الذهبية التي بدأت تخترق الظلام.. مشينا نحو الطائرة .. ولم أكن أعلم وقتها أن أشعة الشمس الدافئة ستظل دليلي نحو الحياة .. وستظل تدب الأمل في عروقي طوال تلك الفترة .. فكانت وظلت الشمس هي إشارة قربي من الهدف.

كم صغيرة هي تلك الطائرة، هل ستكفينا بمتاعنا؟ كان لسان حالي يقول وأنا أصعد على السلم الصغير بحذاء الجبل الضخم.. فقد اضطررت لارتدائه حتى لا يحتل مساحة كبيرة في حقيبتي..

حاولت أن أجد لحقيبة الظهر التي كنت أحملها مكاناً في الجزء المخصص لها في الطائرة وفشلت. لقد كانت الحقيبة أكبر من المكان ذاته، ولم تنجح محاولات كل من تطوعوا لمساعدتي من المتسلقين..

نعم متسلقين..

ويحي! أين أنا من هؤلاء؟ انظري إليهم أيتها البطلة الجسورة! كل منهم يبدو وكأنه يتسلق كل جبل يأتيه، بل يسافر على قدميه من مكان لآخر!

الكل هنا ذاهب نحو كيليمنجارو.. الكل يرتدي أحذية الجبال الخاصة ويحمل متاعه الخاص.. ولكن الكل يضع متاعه في المكان المخصص له في الطائرة ويكفيه.. إلا أنا! حقيبتي تفضحني وتفصح للجميع بأن هذه هي أول مغامرة لي من هذا النوع.

ازددت ارتباكاً.. دائماً يجدني الارتباك أينما كنت .. وإن كنت على فراشي..

جلست ووضعت حقيبتي بجانبي.. خالفت قوانين الطيران الدولية.. ماذا عساي أن أفعل؟ الحقيبة تحمل أغراضي وكلها مهمة..

لم تفارق عيناي النافذة. كنت أتشوق للقائه لأول مرة، وإن كانت من فوق الطائرة.. ملأ السحاب المكان.. فصرنا نحلق فوق بحر من السحاب الكثيف.. كانت السحب وكأنها أمواج جامحة تجمدت لحظة ارتطامها..

وبدأت قمم الجبال تظهر من بين السحاب.. كانت أشبه بالرؤوس السوداء التي تخترق السحاب الأبيض. كلما ظهرت قمة جبل نظرت إليها بشغف وسألت نفسي هل يمكن أن يكون هو؟ ثم أعود وأراجع ذاكرتي.. لا.. كيليمنجارو ليس بهذا الانحدار.. قمته عريضة ومنبسطة ويعلوها الثلج.

ترددت كثيراً أن أسأل من كانوا حولي.. لم يكن أحد منهم بحالة التأهب التي كنت فيها.. الكل بدا عليه الإرهاق ومعظمهم فضلوا النوم على متابعة رؤوس الجبال من النافذة وكأنها أحداث مثيرة.. لا أحد علت وجهه تلك الابتسامة العريضة البلهاء التي علت وجهي طوال الوقت.

وظهرت قمة ضخمة سوداء.. هل يكون هو؟ لم أعد أتمالك نفسي. توجهت بابتسامتي تلك إلى أحد أفراد الطاقم وسألته.. قال لي: “كلا سيدتي.. سيظهر جبل كيليمنجارو في الجهة الأخرى.”

حتى تلك اللحظة لم أكن قد رأيت قمة أكبر منها.. وأعرف أن كيليمنجارو هو أعلى قمة في أفريقيا.. أعلى من هذه؟؟ وعليّ أن أتسلق لأصل إليها؟ أنا؟؟

وفجأة تحرك جميع من في الطائرة نحو الجهة الأخرى وصاروا يمحلقون بدهشة عبر النافذة وقد اتسعت أعينهم في ذهول.. الآن الكل فقد اتزانه الذي أصابني بالارتباك.. الآن الكل مرتبك.. لا أحد يصدق ما يرى..

نظرت بتردد.. وكأنني أردت أن أغمض عيني حتى أكون أمامه ثم أفتحهما فجأة لأراه وحده.. ولا يملأ نظري سواه..

لم أصدق ما رأيت.. لقد بدا جبلاً كاملاً شامخاً يطفو فوق السحاب.. تستحيل رؤيته عبر نافذة واحدة.. كتلة ممتدة هائلة سوداء متوجة بالثلج .. ويحيط به السحاب راكعاً تحت قدميه.. يدلل أطرافه بأمواجه البيضاء التي سرعان ما تعود وتخشع إلى مكانها تواضعاً لعلوّه..

اقشعرّ بدني.. وشعرت بنبضات قلبي تتباطأ.. وكأن الصمت الذي أصابني كان أشبه بالحالة البدنية.. لقد صمت جسدي بأكمله وأدرك صغره وضآلته.. وكأني حين نظرت إليه صرت أرى ضعفي بوضوح لم أعهده من قبل.. فلم يكن قد سبق لي أن واجهت تحد بدني وذهني مباشر متجسد أمامي بهذه الصورة الصارخة..

أحببته.. لقد امتزج خوفي بلهفة تشدني إليه .. لم أعد قادرة على أن أحيل نظري .. تسمّرت في مكاني ولم أعد أكترث بمن كانوا يجلسون عند نوافذ الطائرة الصغيرة التي كنت أمحلق عبرها وقد انفرج فوهي بلا عودة.. صرت أنظر إليه حتى مرت الطائرة واستحال النظر إليه..

عدت إلى مقعدي الفارغ. أغمضت عيني فرأيته.. كنت خائفة.. ولكنني ابتسمت وصرت أحدثه في مخيلتي..

هكذا سيكون حالي معك .. سأسعى نحوك بكل ما أوتيت.. حتى تستحيل أنت عني..

, , , , , , , , , , ,

أضف تعليق

ساعات قليلة

 

 

أمتعتي المرتبكة

 

ساعات قليلة ويتحول الحلم إلى حقيقة.. هأنذا أرتب أمتعتي وأحاول الاختصار فيها بقدر المستطاع لأستعد للسفر.. هذه المرة سفري لن يكون إلى بلد آخر فقط، بل سأخرج من القضبان التي تحيطني .. تلك البنايات الشاهقة القبيحة التي جمعت تراب السنين وتلوث الهواء والعيش.. تلك السيارات المزعجة ذات البوق الذي لا يتوقف.. سأخرج من كل هذا.. بل سأخرج من نفسي.. وألقي بها في الغيب..

شهور طويلة وأنا أستعد لتلك اللحظة، وحين أتت لا أدري كيف أعيشها الآن دون شعور.. فقط أعيشها.. ربما لأنني لا أصدقها ..

ربما حين أجد نفسي أمامه سأصدق.. سأنظر إليه.. وسيراني.. وسيأخذني بين ذراعيه الشامختين.. سأعيش بين أحضانه لأيام وليال.. لا أفكر سوى فيه .. وسيحويني .. ويحيطني .. ويملأني ..

طال انتظاري وشوقي .. وتعلمت الصبر .. وتعلمت التضحية .. إلى أن جاء يوم الاختبار ..

ويحي! هل أعي ما أفعل؟ أحقاً أنا مستعدة لما ينتظرني؟ من أين لي بكل هذه الجرأة؟ من يصنع هذا الصنيع إلا كل مغامر؟ ومن أين لي بروح المغامرة تلك؟

وهل سيقبلني؟ هل سيسمح لي؟

دق الهاتف .. صديقتي ..

“هل أنت متأكدة مما تفعلين؟ هل هذا هو ما تريدين حقاً؟”

علا صوتي بالبهجة .. وتحدثت بثقة لم أعهدها من قبل. “لو تعلمين كم أريد ذلك!”

لقد أحببته دون أن أراه .. اكتفيت بالنظر إليه في الصور.. وبالاستماع عنه في كل فرصة أتتني .. أحببته وازددت شوقاً إليه دون أن ألقاه .. فماذا لو التقيته؟

منذ طفولتي وقد كان العشق في قلبي .. كلما رأيت أحدهم لا أستطيع الالتفات عنه. كنت أطيل النظر إليه وتملأني الرهبة .. وتتسمّر عيني تجاهه .. أخافه وأحبه ..

لم يخطر ببالي يوماً أنني ستتاح لي فرصة أن أخطو بقدماي فوق الجبال .. لا يحول بيني وبينها شيئاً .. لا تؤنبني أمي الملتاعة خوفاً عليّ، ولا يمسك بيدي أبي ويحملني فيحول بيني وبين ثراها ..

فقط نحن .. الجبل وأنا .. أخطو بقدمي عليه وأسمع صوت الرمال من تحتي .. وتناديني الطيور من أماكن بعيدة .. ولا أسمع حولي سوى الصمت .. والجبل!

ساعات قليلة وآترك وسادتي الناعمة وفراشي، أحزم أمتعتي وأتوجه إلى الطائرة التي تقلني إلى نيروبي، ومنها إلى أروشا بتانزانيا، حيث جبل كليمانجارو .. أعلى قمة في أفريقيا .. وأعلى جبل مستقل في العالم.

لا أعرف ماذا أتوقع في هذه المغامرة سوى ما حكي لي من حكايات من سبقوني نحو ذلك الجبل. لذا لم يكن أمامي سوى أن أكون مستعدة بقدر ما أستطيع من أدوات وملابس تلائم طبيعة النشاط وطبيعة البيئة والطقس في المكان. ويظل الغيب غيباً مجهولاً لن تكشف عنه سوى التجربة الفعلية. فتسلق الجبل هو تجربة تخص صاحبها.. لا يشاركه فيها أحد.. ما شعر به غيري قد لا أشعر به، وما قد ألاقيه من سهولة أو عناء قد لا يلاقيه غيري .. لذا لا أخفي كم كنت أشعر بالارتباك كلما فكرت في ذلك المجهول.

منذ عزمت تسلق جبل كليمنجارو جافاني النوم. كنت أسهر ليال طويلة أسأل نفسي لم كل هذا الحماس؟ هل أنا مستعدة؟ ماذا ينقصني؟ كيف أدبر أمري؟ كانت دقات قلبي تتسارع كلما تصورت نفسي وأنا أخطو ببطء شديد وحذر على ارتفاع آلاف الميترات.. وكأنني قد اكتشفت عشقاً قديماً بداخلي يرنو إلى النور.. وها قد وجد طريقه إليه.. وها قد حان وقت سلوك ذلك الطريق..

هناك ما يجذبني إلى تلك القمة ..

في صورته يبدو لي الجبل هادئ الطباع .. هو جبل شامخ ولكنه واسع يملأ الأرض من حوله .. لا يحتاج تسلقه سوى القدمين وعصا الاتكاء على الأرض. ولكن القمة تقع على ارتفاع ٥٨٩٥ متراً فوق سطح البحر.. وهو ارتفاع تحليق الطائرات. وللمرتفعات تأثير سلبي على الجسد حيث تقل نسبة الأكسجين في الهواء .. فيتعطل نشاط العضلات وقد تتأثر بعض أجهزة الجسم في عملها الطبيعي ..

ولكنني لا يسعني سوى الهواء .. والماء .. والسحاب .. لا أجد المتعة بقدر ما أجدها بين جبال سيناء .. بين جبال جنوب لبنان .. بين جبال الألب .. أو بين جبال الحجاز ..

لا يسعني سوى الجبال .. وسأذهب إلى كيليمنجارو .. وليسعني ..

 

, , , , , , , , , ,

3 تعليقات

كانت مصر لا تنام

في مثل هذا اليوم من كل عام ينتابني الصمت.. أبحث عن الكلمات فلا أجدها.. تتسابق الخواطر في ذهني وتتلاحق المشاعر فتتملك من وجداني.. ولا أجد ما أقول.

في مثل هذا اليوم من ٣٧ عاما كانت هناك مصر..

وكانت مصر لا تنام..

فقد كانت بقعة من أرضها محتلة، كانت سيناء.. أرض الله المقدسة التي تجلى فيها لنبيه، تدنسها أقدام الصهاينة.. ستة أعوام يصولون ويجولون فيها ومصر تصبر.. وتفكر.. وتخطط.. إلى أن جاءت لحظة الحسم.. فقامت ونهضت بأبنائها.

هناك منهم من نعرفهم، وهناك من ظلوا مجهولين.. ملأ قلوبهم نداء الله أكبر.. وزلزلت أصواتهم المكان.. فاستجابت لهم أرض سيناء.. وعادت الحياة إلى عروقها حين سمعت صوت أبنائها.. فلفظت من عليها ودكت الحصن المنيع.. وأضاءت بأقدام المجاهدين.. واخضرت بدمائهم.

في يوم السادس من أكتوبر لعام ١٩٧٣ عبرنا القناة ودمرنا خط بارليف.. ملأت البلاد نشوة الانتصار.. وترددت بين ألسنة المصريين حكايات الجهاد والفداء والشهادة.. في هذا اليوم تكللت عزة البلاد.. وارتدّت إليها كرامتها..

ولكن من لا يحفظ تاريخ أمته ولا يوقره لا يستحق العيش فيه..

ومصر سكنها ومازال يسكنها من أهدر تلك الدماء ونسيها.. فباع النصر واشترى الانكسار.. فرضيه لنفسه ومارسه على غيره.. وكبرت أجيال لا تعرف العدو من الصديق، ولا تفهم معنى الشهادة.. وأين الشهيد.

أكره أن أطفئ فرحة الذكرى في يوم عيدها.. ولكن التاريخ يفرض نفسه أحياناً.. وإن لم نقرأه ضاع وطننا إلى الأبد.. فعلينا أن نعي معنى النصر.. وكيف نحفظه ونرعاه، فالنصر لا يبقى نصراً إلا إذا عملنا عليه وبنينا الوطن به.

اشتقت إلى مصر.. اشتقت إلى أناشيد الوطن والسلاح والنصر.. اشتقت إلى تلك البرامج الجافة التي تحكي عن الحرب وعن العبور.. أفضل التلفاز المصري القديم الذي يملأ قناته بصوت عبد الحليم حافظ ويعرض مشاهد من الحرب عن التلفاز الذي يدعوني لأكل الوجبات السريعة..

أبحث عن مصر في الصور القديمة.. في صور أبي.. وجدي.. وأمي.. وجدتي.. أبحث عنها في الملفات المصورة عن أسرى مصر المفقودين.. وأهليهم الذين لم يفقدوا الأمل بعد في العثور على رفاتهم.. أبحث عنها في بسمة أهل سيناء.. هؤلاء الذين صاروا الحماة الوحيدين لرفاة الشهداء.. فيقدسونها ويغطونها كلما كشف عنها التراب..

أبحث عن مصر في صخور جبال سيناء.. أحاكيها.. أسألها عما رأت وما سمعت.. أسألها عن الرجال.. ربما دلتني..

مصر الأسيرة ستنهض يوماً.. مصر المحتلة ستتحرر.. ستتذكر.. وستقوم..

مصر خصبة بدماء شهدائها.. تقتات برفاتهم العطرة المبعثرة في الأرض..

ستعود مصر.. سيأتي ذلك اليوم لا محال.. مصر لم تمت.. مصر حية.. باقية.. في قلوب مجاهديها القدماء.. في بسمة كل طفل يحمل حلماً.. وفي نبض كل من يأتي هذا اليوم عليه فيفرح.. ويعتصره الألم..

 

, , , , ,

6 تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: