يوم العسكري الأسود

أروى صلاح الدين محمود

(كتبت في ٢٥ يناير/كانون الثاني من عام ٢٠٠٧ ونشرت في موقع إسلام أون لاين)

صاحب الصرخة المدوية - تصوير أروى محمود

بعد انقطاع طويل وجدت نفسي أستيقظ صباح أمس، أجهز الكاميرا، وأنوي الذهاب إلى مظاهرة لأول مرة منذ عامين، وكنت قد سئمت حال البلاد وما يجري فيها، وشهدت خلاف النشطاء الطفولي حول توجهاتهم ومحاولة البعض الهيمنة على زملائهم بخلفياتهم وانتماءاتهم.. ولكن سماعي أخبار بعض النشطاء الذين أصبحوا الآن في نظر الكثير أبطالا مع انتشار الملفات عبر الإنترنت التي تكشف ألوان التعذيب التي تعرضوا له، ولمعرفتي الشخصية ببعضهم، وجدت نفسي أشتاق لوجوههم المشاكسة، والتي تنبعث منها روح عناد ومثابرة، يراه البعض صمودا، ويراه الآخرون صعلكة.

ركبت التاكسي وطلبت منه التوجه إلى شارع عبد الخالق ثروت، فرد قائلا: “ماشي، لكن ربنا يستر ما يبقاش في مشاكل هناك تاني”..
قلت له: “هو في.. في النقابة عاملين مظاهرة بمناسبة عيد الشرطة، بينددوا فيه بتعذيب الشرطة للناس”..
رد قائلا: “والله البلد حالها بقى صعب أوي”..

وخرج سريعا من مأزق الكلام في السياسة، فبدأ “يفضفض لي” عن ابنته التي تنتظر إجراء عملية قلب مفتوح وكيس الدم الذي بلغ ثمنه 180 جنيها، وفصيلة دم ابنته النادرة، وو و.. ولم يعلم أنه – إن صدق – قد تحدث في صميم السياسة..

وصلت المظاهرة و.. كما توقعت.. كان العدد صغيرا جدا، والمظاهرة صامتة، وقف فيها نشطاء من حركة كفاية وحزب الغد والإخوان المسلمين، أمام نقابة الصحفيين، وأمامهم من الجهة الأخرى وقف اللواءات والضباط وهم لا يكترثون بما يرون من المتظاهرين، في يد كل منهم إما الموبايل أو كوب من الشاي، ينظرون للمتظاهرين بحالة من الملل وكأنهم ينظرون إلى ذبيحة تتقلّب في موضعها قبل أن تفارق الحياة.

وحول الشباب وقف “العسكر”، هؤلاء الذين يعرفهم المواطن المصري جيدا، فهم “الديكور” المرصوص عند مرور أحد الشخصيات السياسية، أو الحاجز البشري الذي يحيط بالمتظاهرين ليحول دون تمردهم وتفكيرهم في التحرك في الشارع. ذلك العسكر دائما تحمل قسمات وجهه الجهل بما يجري، فهو دائما “عبد المأمور” الذي انتزع منه جلبابه وفأسه، أخذ من أرضه، كي يقف ليزين شوارع العاصمة، ويؤكد حضور الدولة، ويحمي “هيبتها”.

بقي الصمت طويلا، والمتظاهرون يحملون لافتات كتب عليها “لن ننسى شهداءنا”.. “أمن الدولة، كلاب الدولة”.. والتف الصحفيون وأخذوا يلتقطون الصور.. وكان المشهد غريبا، فكان ينظر بعض المتظاهرين لبعض الضباط، ويحيونهم بابتسامة وإيماءة، فهمت منها “كيف حالك؟ أذكرك جيدا!”، ويرد الضابط النظرة من الجهة الأخرى بابتسامة تقول: “أعرفك، وسئمت من متابعتك، وسآخذك لاحقا إن أردت”.. تلك اللغة المتبادلة ظلت طويلا، إلى أن بدأ دوّت صرخة هائلة من أحد المتظاهرين:

“كفاية تعذيب في البشر!! الحرية يا شرطة مصر!”.

ثم وقعت عيناي على أحد المتظاهرين وقد تقدمهم.. شاب نشط عرفته في حركة شباب من أجل التغيير لكفاية، وقد كان مليئا بالحيوية والمرح، إلى أن سمعت يوما أنه “اختطف” في ليلة من وسط البلد، وبقي في السجن شهورًا طويلة، تعرض فيها لانتهاكات وصفها لاحقا بالتفصيل.. وقد قاد زملاؤه حملة إعلامية على الإنترنت للتنديد بما تعرض له من تعذيب. لم أكن قد قابلته منذ عامين، فنظرت له ولاحظت أن قسمات وجهه قد تغيرت، وبدا كأن سنوات طويلة قد حطت على عمره.

ذهبت إليه ووجدت نفسي أخاطبه كأنه مريض في غيبوبة: “ازيك؟ فاكرني؟”
فرد ببطء “إيوه.. ازيك يا أروى؟ ماشفتكيش من زمان”..
“الحمد لله.. حمدا لله على سلامتك” فابتسم وحنا رأسه..
قلت لنفسي.. “لا حول ولا قوة إلا بالله، المسكين خلاص ضَرَب”..
“اللي جرى له ده مش من التعذيب، ده من اللي بيعمله في نفسه..” قالت لي زميلة لي قابلتها بالصدفة هناك: “حالات التعذيب دي حالات فردية، بتحصل في التحقيق مع ناس معينة، اشمعنى هم بس اللى بيحصل لهم كده؟ سمعت عمرك عن الإخوان بيشتكوا من تعذيب؟”

تعجبت من السؤال؛ لأن أول ما خطر لي حين سألتني “زينب الغزالي وسيد قطب” أشهر اسمين تعرضا لألوان التعذيب من الإخوان.. ألم تفكر فيهما؟
أضافت الزميلة: “في النهاية إحنا بنتكلم عن التحقيق في الأقسام، مش المعتقل، أيام التعذيب في المعتقل دي خلاص”.

يادي العار

عسكر مصر.. الحاجز البشري - تصوير أروى محمود

كانت هي إحدى المنظمين للمظاهرة، فسألتها: “ولِمَ التظاهر اليوم إذن؟” قالت: “للوقوف ضد ممارسات الترهيب بصفة عامة، وإن لم يكن التعذيب معمما، فهو ما زال يمارس”..
ثم شرحت لي أنهم بدءوا ما يسمونه بـ “يوم العسكري الأسود” كيوم سنوي في نفس يوم عيد الشرطة، ينددون فيه بتسلط الشرطة وانتهاكاتها لحقوق المواطنين، وسياسة الترهيب التي تلاحق بها الصحفيين والنشطاء وكل من يقول “لا”.

ثم فجأة بدأ هتاف شلّ حركتي:

يا دي العار! يادي العار!
السجون مليانة أحرار!
والعسكر سابوا خط النار!

كلمات قصيرة رمت معانٍ ثقيلة، حملت الطعم المرّ الذي يتجرعه الكثير من المصريين وهم يشاهدون حالة التغييب الجماعي التي سادت البلاد حين سلبت الحرية، وقد حوصر الشعب بالفيديو كليب وأنذرهم صوت هيفاء: “رجب! حوش صاحبك عني!”..

في ثقافة التغييب الجماعي، تركت مصر معاني الحرية والصبر والكرامة التي حملها لبنان عبر محنه الطويلة، ذلك البلد الحبيب الذي تتمزق أوصاله، واستوردت منه هيفاء، واختزلت كل ما لديها من ثقافة وتراث، وصدّرت له “كتكوت” الذي رأيت صوره معلقة في بعض شوارع بيروت..
أهذا ما يحدث حين تُملأ السجون بالأحرار، ويترك العسكر خط النار؟

صمتّ، وتوقفت عن التصوير، وفكرت طويلا.. في عام 1952 استبسل ضباط الشرطة في مواجهتهم للعدوان، وأصبح يوم 25 يناير عيدا لهم وذكرى للشهداء الذين قدموا حياتهم للوطن. لم يخطر ببال أحد حينها أن البلاد سيجرها التاريخ إلى يوم يقف فيه أبناؤها في نفس المناسبة، ويسمون اليوم بيوم العسكري الأسود، ويحيون ذكرى مواطنين مصريين قتلوا إثر التعذيب على أيدي الشرطة..

شرطي يحمل وردًا

ثم تذكرت ما رأيته صباح نفس اليوم في طريقي إلى مكان عملي.. ذلك الشرطي الذي حمل ورودًا يوزعها على الأفراد في إشارة المرور وعلى وجهه ابتسامة بريئة رقّ لها قلبي على الرغم من صدمة الضحك التي انتابتني وأنا أراه يحمل الورد بدلا من العصا..
وسألت نفسي.. هل يعي ذلك الشاب في أي جهاز يعمل؟ هل يعلم كمّ الكراهية الذي يحمله الكثير من المصريين تجاه زيه؟ هل يعلم جيدا ما يمارَس باسمه؟ أم تراه يعلم، ويمارس الشيء ذاته، ولكن اليوم اختار ببساطة أن يحمل الورود؟

ثم أفقت من رحلتي على صوت المتظاهرين وهم ينشدون النشيد الوطني، وقد تغيرت كلماته..

“مصر يا أم البلاد..
لسه فيك اضطهاد..
في السياسة والاقتصاد..
عايزة ثورة يا بلادي”..

اعتصر قلبي، واكتفيت بما شهدت وسمعت، وفارقت المكان ووجدت نفسي أدندن الكلمات الأصلية للنشيد..

“مصر يا أم البلاد..
أنت غايتي والمراد..
وعلى كل العباد..
كم لنيلك من أيادِ”..

كم من أياد ليعود صفاء نيلِك يا مصر؟


, , , ,

  1. أضف تعليق

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: